الصفحة 37 من 91

هناك من يزعم أن اللغة العربية آخذة في الانحسار والتراجع في الوطن العربي. ولعل في هذا الزعم شيئًا من الصحة. فثمة طائفة من الناس تعتقد أن التشدق بلغة أجنبية هو السبيل الوحيد إلى الرقي الاجتماعي والوصول إلى مراكز مرموقة في مجالات شتى. فتجدهم ينصرفون عن اللغة العربية ويرسلون أبناءهم إلى مدارس أجنبية ويتحدثون معهم بلغة أجنبية فتجد الأب والأم يحادثان ابنهما بلغة إنجليزية أو فرنسية منقوصة محدودة في أغلب الأحيان، وكأنّ أبويه شكسبيير وشارلوت برونتي أو فولتير وماري أنطوانيت ما شاء الله. ولكن هذا لا يعدو كونه نزوة وزيغًا وانحرافًا لا يتخطى طبقة قليلة مترفة متخمة من المجتمع أو فئة موسرة من النخب المثقفة أو المستثقفة أو المستلبة أو طائفة مُنعمة مستنعمة من البشر. ولكن الأخطر من ذلك كله أن العرب المعاصرين من مفكرين وأدباء وشعراء وسياسيين ومبدعين ومحللين وبسطاء ، بنحلهم ومللهم ومشاربهم ومآكلهم ومناقبهم ومثالبهم ، أي بكل أطيافهم، بل بكل ألوان الطيف ترجمة لـ full spectrum، كما يجري الاستعمال المهيمن في الإعلام والسياسة اليوم ، يفكرون وينطقون بكلامٍ ذي حلة عربية متهرئة من خلال ترجمة حرفية لما يقرأونه ويسمعونه ويتلقفونه من كلام إنجليزي أو من ترجمات تعتمد في جلها الحرفية العمياء التي تتجاوز المقبول والمستساغ بل المنطقي والمتعارف عليه في المجاز والاستعارة وتخالف شروط الفصاحة والبلاغة في اللغة وأبسط قواعدها حتى في حروف الجر ، فتسمع مذيعي الأخبار ومقدمي البرامج يقولون: أهلًا بكم إلى نشرة الأخبار بدلًا من (أهلًا بكم في نشرة الأخبار) وما يجري جريها. فعندهم كلمة (أهلًا) تعني (تعالوا إلى نشرة الأخبار) . والأصل كما تعرفون أو ربما لا تعرفون أن أهلًا هي اختصار لـ صادفت أهلًا لا غرباء ووطئت سهلًا لا وعرًا. فنخالهم يقولون (صادفت أهلًا إلى نشرة الأخبار) . وهذا بحكم التبعية اللغوية والتأثر الحرفي بالمصادر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت