الصفحة 34 من 91

قد يعجب المرء لمن تتردى لغته العربية وهو يعيش في المغترب ردحًا من الزمن نظرًا للتأثير السلبي الذي تفرضه البيئة اللغوية والحضارية الجديدة والابتعاد قسرًا أو طوعًا عن وطنه الأم. ولكن العجب العجاب في ما نقرأه ونسمعه في قلب الوطن العربي النابض باللغة العربية، والذي تحمله إلينا ونحن في المغترب فضائيات عربية ليست في الواقع سوى نسخة كربونية قلبًا وقالبًا عن فضائيات ومحطات تلفازية غربية وبالدرجة الأولى أميركية أو بريطانية ، وينقله إلينا كتاب ومفكرون عرب نظنهم للوهلة الأولى يتحدثون العربية وهم في الواقع وللأسف ينطقون ويكتبون تعابير إنجليزية بأصوات وحروف عربية. و"الشيطان يكمن في التفاصيل"، على حد قول أحد مراسلي إحدى الفضائيات العربية. ولنا هنا وقفة ، فهذا التعبير إن أثبت شيئًا فإنه يثبت صحة هذه المقولة. فهو ترجمة حرفية للتعبير الإنجليزي (the devil lies in the details) . ولو أنعمنا النظر في هذه الترجمة لوجدنا أن فيها علتين: الأولى معارضتها للثقافة العربية التي لا تقحم الشيطان في التعابير اليومية على هذا النحو. والثانية أن كلمة (devil) في الإنجليزية لا تعني )الشيطان) ههنا بل عفريت وما شابهه. أما (Satan) وغيرها فهي للشيطان. والتعبير الإنجليزي بمعناه الوظيفي هو (العلة في التفاصيل) . ولكنْ مثلُ ذاك المراسل مثلُ المحلل السياسي العربي الذي"يرمي الطفل مع ماء الغسيل"، وهذا أمره أكثر عجبًا وغرابة ، فمتى رمت الأمُّ في بلادي طفلها مع طشت الغسيل؟ أوليس ذلك ترجمة حرفية معيبة لـ (to throw the baby with the bath water) ؟ ثم نجدهم يقلدون تقليدًا أعمى ويرددون بلا وعي تعابير اصطلاحية إنجليزية مترجمة ترجمة هزيلة خارج بيئتها الطبيعية فهذا كاتب يضع العربة أمام الحصان (to put the cart before the horse) وهو ينادي بهوية عربية وتلك مذيعة تحاول أن تجسر الهوة بينها وبين المستمعين (to bridge the gap) ، فرأب الصدع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت