أ- لو أخذنا بالرأي القائل: إن الدرة اليتيمة هي كتاب الآداب الكبير، فالكتاب ماثل بين أيدينا لا يدل أسلوبه على المعارضات، وأنا على ثقة بأن ابن المقفع لو قصد به ذاك لجاء بأحسن منه، قال الرافعي عن كتاب الآداب الكبير أو الدرة اليتيمة كما سمّاه:".... ولكنه في المعارضة ليس هناك لا قصدًا ولا مقاربة، ونحن لا نرى فيه شيئًا لا يمكن أن يؤتى بأحسن منه، وما كل ممتع ممتنع" (52) .
... أما إذا كانت (الدرّة اليتيمة) شيئًا آخر سوى كتاب الآداب الكبير، فإن ما نقل من النصوص المعزوة إليه لا تدل كذلك على أنها أريد بها المعارضة.
ب- إن الناظر في كتب ابن المقفع أو في المصادر التي ترجمت له لا يجد نصًّا واحدًا عنه في ذلك سواء كان صريحًا أو غير صريح، كما إننا لا نجد أيَّ مستند تاريخي ينسب المعارضة إليه بصريح العبارة.
ج- مع ما ينسب إليه من سوء الاعتقاد فإننا نجد في كتب ابن المقفّع عبارات التديّن، ويمكن لنا أن نتلمس النزعة الدينية في كتابات ابن المقفّع من خلال كتبه، ومن ذلك:
-في كتابه الأدب الصغير: ينص على أن العاقل يجب أن يرفع حاجته لربّه ويتزود لمعادٍ (53) ، وهو يحث على شكر الله وحمده والثناء عليه (54) .
... ويقول:"الدين أفضل المواهب التي وصلت من الله تعالى إلى خلقه، وأعظمها منفعةً..." (55) .
... ويقول:"الرجال أربعةٌ: جواد ، وبخيل ، ومسرف ، ومقتصد، فالجواد الذي يُوَجّه نصيب دُنياه جميعًا في أمر آخرته..." (56) .
-وفي رسالة الصحابة يبيِّن حاجة الناس إلى تعلم الكتاب والتفقه في السنّة (57) ، وينص على أن حاجة الناس إلى الفقه والسنّة والسِّيَر أشدّ من حاجتهم إلى أقواتهم التي يتعيشون بها (58) .
... وفي الأدب الكبير يقول:"فأصل الأمر في الدين أن تعتقد الإيمان على الصواب، وتجتنب الكبائر، وتؤدي الفريضة، فالزم ذلك لزوم من لا غنىً له عنه طرفة عين..." (59) .