الصفحة 8 من 9

هب لي بجاهك ما قدمت من زلل * * * جودًا ورجح بفضل منك ميزاني

واسمع دعائي واكشف ما يساورني * * * من الخطوب ونفِّس كُلَّ أحزاني

وكذلك أكثر من عارض البردة قديمًا وحديثًا - وما أكثرهم - تأثر بما فيها من غلو .

وقد تأثر كذلك المتأخرون بهذا الغلو ، فمستكثر ومستقل ، فهذا البارودي يقول:

أبكاني الدهر حتى إذ لجأت به * * * حنا علي وأبدى ثغر مبتسم

وهذا أحمد شوقي يقول:

فالطف لأجل رسول العالمين بنا * * * ولا تزد قومه خسفًا ولا تسُمِ

ويقول في أحد المدائح الخديوية:

إذا زرت يا مولاي قبر محمد * * * وقبَّلت مثوى الأعظم العطرات

فقل لرسول الله: يا خير مرسل * * * أبثك ما تدري من الحسرات

وهذه شاعرة معاصرة ألفت كتابًا كاملًا من شعر التفعيلة باسم: (بردة الرسول) من أجل أن تشفى من مرض عانت منه طويلًا ، ملأته بالغلو ، ومن مثل قولها:

يا سيدي ، اسمع دعائي ... كن مًعين

وأجب رجائي ، يا محمدنا الأمين

أما هذا الغلو عند شعراء الصوفية ومقلديهم فأشهر من أن أشير إليه هنا .

ومما سبق نستخلص أن المدائح النبوية الغالية منذ البوصيري ومن قلده لا علاقة لها بالمدائح النبوية قبلها ؛ لأنه شتان بين التصور الواقعي البشري كما صوره شعراء المديح النبوي الأوائل من أمثال كعب بن زهير وكعب بن مالك وحسان بن ثابت ، ومعاصريهم ، وبين التصور المتأخر للرسول - عليه الصلاة والسلام - عند شعراء المديح النبوي المتأخرين الذين أحالوا شخصية الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى سلسلة طويلة من الخوارق والمعجزات والقدرات فوق الطبعية ، حتى بات النبي -صلى الله عليه وسلم- ذا طبيعة إلهية لا بشرية [4] .

ومع هذا فقد بقي كثير من الشعراء قديمًا وحديثًا بمعزل عن هذا الغلو ، ولكن الحديث الآن ليس عنهم ، والله أعلم .

* (1) المستدرك على الصحيحين ، 9/3 ، وغريب الحديث لابن قتيبة 1/ 463 ، وانظر الإصابة في ترجمة أم معبد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت