هب لي بجاهك ما قدمت من زلل * * * جودًا ورجح بفضل منك ميزاني
واسمع دعائي واكشف ما يساورني * * * من الخطوب ونفِّس كُلَّ أحزاني
وكذلك أكثر من عارض البردة قديمًا وحديثًا - وما أكثرهم - تأثر بما فيها من غلو .
وقد تأثر كذلك المتأخرون بهذا الغلو ، فمستكثر ومستقل ، فهذا البارودي يقول:
أبكاني الدهر حتى إذ لجأت به * * * حنا علي وأبدى ثغر مبتسم
وهذا أحمد شوقي يقول:
فالطف لأجل رسول العالمين بنا * * * ولا تزد قومه خسفًا ولا تسُمِ
ويقول في أحد المدائح الخديوية:
إذا زرت يا مولاي قبر محمد * * * وقبَّلت مثوى الأعظم العطرات
فقل لرسول الله: يا خير مرسل * * * أبثك ما تدري من الحسرات
وهذه شاعرة معاصرة ألفت كتابًا كاملًا من شعر التفعيلة باسم: (بردة الرسول) من أجل أن تشفى من مرض عانت منه طويلًا ، ملأته بالغلو ، ومن مثل قولها:
يا سيدي ، اسمع دعائي ... كن مًعين
وأجب رجائي ، يا محمدنا الأمين
أما هذا الغلو عند شعراء الصوفية ومقلديهم فأشهر من أن أشير إليه هنا .
ومما سبق نستخلص أن المدائح النبوية الغالية منذ البوصيري ومن قلده لا علاقة لها بالمدائح النبوية قبلها ؛ لأنه شتان بين التصور الواقعي البشري كما صوره شعراء المديح النبوي الأوائل من أمثال كعب بن زهير وكعب بن مالك وحسان بن ثابت ، ومعاصريهم ، وبين التصور المتأخر للرسول - عليه الصلاة والسلام - عند شعراء المديح النبوي المتأخرين الذين أحالوا شخصية الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى سلسلة طويلة من الخوارق والمعجزات والقدرات فوق الطبعية ، حتى بات النبي -صلى الله عليه وسلم- ذا طبيعة إلهية لا بشرية [4] .
ومع هذا فقد بقي كثير من الشعراء قديمًا وحديثًا بمعزل عن هذا الغلو ، ولكن الحديث الآن ليس عنهم ، والله أعلم .
* (1) المستدرك على الصحيحين ، 9/3 ، وغريب الحديث لابن قتيبة 1/ 463 ، وانظر الإصابة في ترجمة أم معبد .