ومما سبق يتبيَّن أَنَّ هذا العلم شاقٌّ وأنَّ معرفة علة الحديث قد لا تظهر إلا بعد سنين .
قال الخطيب: « فمن الأحاديث ما تخفى علته ، فلا توقف عليها إلا بعد النَّظر الشَّديد ، ومضي الزَّمن البعيد » ، ثم أسند عن ابن المديني قوله: « ربما أدركت علة حديث بعد أربعين سنة » [1] .
وقال ابن أبي حاتم عن أبيه في حديث ذكره: « ولم أزل أفتِّش عن هذا الحديث ، وهمَّني جدًَّا حتى رأيته في موضع ... » [2] .
وقال أيضًا: « قلت لأبي زرعة: أيهما عندَك أشبه ؟ قال: الله أعلم . ثم تفكَّر ساعةً ، فقال: حديث الدَّراوردي أشبه ... » [3] .
ولربما رجَّح العالم ما خفي على من هو أعلم منه بالحديث أو ما خالفه هو بعد زمن ، كما حصل لأبي حاتم الرَّازي ، حيث سأله ابنه عن حديث اختلف فيه ، هل هو عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أو عن جابر - رضي الله عنه - قال: « قلت لأبي أيهما أصحُّ ؟ قال: عبد الله أصحُّ ... ثم قال ابن أبي حاتم: سألت أبي مرةً أخرى عن هذا الحديث فقال: يحيى القطَّان ومعتمر وغيرهما يقولون عن التَّيمي عن أبي نضرة عن جابر عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهو أشبه بالصَّواب » [4] .
(1) الجامع للخطيب (2/385) .
(2) العلل لابن أَبي حاتم (2/270) .
(3) العلل لابن أَبي حاتم (2/266) .
(4) العلل لابن أَبي حاتم (2/416) .