الصفحة 35 من 36

درج المشتغلون بالفلسفة على ذكر ثلاث مدارس أو اتجاهات رئيسة ينتهي إليها الحديث حول مصادر المعرفة، فهناك العقلانيون الذين يرون في العقل قوة فطرية ومن خلال تلك القوة الفطرية فإن الإنسان يتلقى المعرفة، أن بأن ثمة مبادئ أولية لدي العقل ثمة تجيء سابقة على كل تجربة وعن طريقها هيأ الإنسان لمعرفة العالم الخارجي من حوله، وعن طريقها أيضًا يفرض العقل قوانينه ومبادئه على ذلك العالم. بينما يرى الحسيون أو التجريبيون أن جميع أنواع المعارف التي لدينا مستقاة من الحس والتجربة، وأنه ليس ثمة في العقل إلا ما تمده به المعطيات الحسية، ومن ثم فإن تجربتنا الحسية المؤكدة تمثل المصدر الوحيد للمعرفة؛ بينما يذهب البعض إلي مسلك ثالث للمعرفة يتقدم العقل والحس ويفضلهما، ويتمثل في التجربة الحدسية .

أشارت الدراسة إلي أن الرؤية الإسلامية لا تلغي أيًا من هذه المصادر، بيد أنها تتضمن من جهة الإشارة الجوهرية إلي مصدر يجيء متعاليًا على تلك المصادر المعرفية ومقدمًا وحاكمًا وضابطًا وهاديًا لها؛ ذلك هو الوحي الإلهي الذي يمثل مصدر هداية ومنبعًا للحقيقة المطلقة التي مصدرها الحق المطلق؛ وذلك في مقابل المعرفة الإنسانية المستولدة والمستمدة عقلًا أو حسًا أو حدسًا.

تعمد الرؤية الإسلامية في صعيد المعرفة إلي النظر لطرائق المعرفة الإنسانية حسا وعقلًا وحدسًا باعتبار قيام علاقة تكامل وتداعم فيما بينها، نافية لكل تعاند أو تشاكس، فينظر إلي مصادر المعرفة الإنسانية في سياق تكاملي بحيث تكمل إحداهما الأخرى دون أفضلية مطلقة لهذا أو ذاك، وإنما كل واحدٍ من هذه الطرائق في مجال بعينه هو الأكثر كفاءة وفاعلية، وهو في ذات الوقت محتاج غير مستغنى عن بقية الوسائل والمصادر المعرفية المباينة، ليكون منتوج هذه العلاقة التكاملية وجماعها ماثل في مفهوم البصيرة القرآني أو نور القلب الذي يعني جماع الكفايات والإدراكات الحسية والعقلية والحدسية على السواء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت