فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 32

ولكن هذه المعالم التي يفترض أن تكون جلية واضحة، أصبحت غائبة عن عقولنا، وأصبحنا نعيش في أزمة فكرية خانقة، نعتني بالرسوم والألفاظ، ونضيع المعاني والأحكام، ونعي المظاهر والأشكال ونهمل المقاصد والجواهر. فحين"يتسرب إلى العقل المسلم تصور بأن الأحكام قد تخلو عن المقصد، إما لأنها تعبدية، أو لأن البحث عن المقصد لا طائل تحته فالمهم تنفيذ المطلوب، أو لأنه لا داعي للبحث عن تلازم بين الحكم ومقصده، فإن ضررًا بالغًا يصيب تصور الإنسان لفعله ـ الذي هو موضع إيقاع الحكم ـ وسوف يضطرب وتضطرب معه نظرة الإنسان لإرادته ولقيمة فعله ومصدر تقويم ذلك الفعل، إلى غير ذلك من السلبيات". [1]

ولذلك فإننا في هذه الأيام أحوج ما نكون ـ كما يقول الدكتور طه جابر العلواني ـ إلى:"نقل العقل المسلم من الانشغال في الجزئيات إلى الكليات، ومن التوقف عند الرسوم والمباني إلى التوجه نحو الحقائق والمعاني، ومن التقليد والتبعية إلى الإبداع والأصالة، ومن الاستغراق التام بالوسائل إلى العمل معها على تحقيق المقاصد والغايات. وهذه الأهداف الكبرى لن يحدث الوعي الهادف المتحرك عليها إلاّ بعد جهود علمية متصلة توضح سائر جوانبها وتنير مختلف أبعادها". [2]

وغني عن البيان أننا في هذه الأيام في حاجة ماسة إلى الفكر المقصدي في مجال الفقه والاجتهاد. فقد ساد الاتجاه الفردي في الفقه حقبة من الزمن، لظروف معينة عاشها سلفنا من الفقهاء الأوائل، فبعد أن كان الفقه يهتدي بالمبادئ والكليات والقواعد، إلاّ أنه كما يقول الترابي:"جنح أخيرًا إلى الولع بالتشعيب والإحصاءات التلقينية ... وأخذ يتطور عن فتاوى شخصية من شؤون الأفراد، وتضاءل هم ولاة الأمر العام بفقه مصالح المسلمين العامة وشؤونهم الكفائية". [3]

(1) المرجع السابق، ص4.

(2) العلواني، طه جابر: مقدمة"نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي"للريسوني، ص2.

(3) الترابي، حسن: قضايا التجديد: نحو منهج أصولي، ص260.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت