وإذا دقَّقنا النظر في فكر الجويني، وجدنا أنه كان يدرك عمق العلاقة بين الوعي بمفهوم المقاصد وبين وظيفتها في الجانب السياسي والإنقاذ الحضاري، فها هو بعد أن أدرك استحالة عودة الخلافة كما كانت في عهدها الأول يقوم بإعادة ترتيب شروط الإمام ونعوته، فيشير في هذا المجال إلى أن شرط الصلاح والتقوى يجب أن يكون مقدمًا على شرط النسب القرشي، خلافًا لما فعله الماوردي وأضرابه. يقول:"إذا وُجد قرشيّ ليس بذي دراية، وعاصره عالم تقي، يُقَدَّم العالم التقيّ. ومن لا كفاية فيه؛ فلا احتفال به، ولا اعتداد بمكانه أصلًا" [1] .
في ظل هذه الرؤية أو الأزمة لم يجد الجويني مخرجًا سوى تأسيس قواعد وأسس جديدة ومقاصد شرعية قطعية، وفق المصلحة العامة للأمة على اعتبار أن المقاصد ذات ارتباط قوي بالمشكل الاجتماعي والسياسي.
فبالمقارنة بين الماوردي والجويني تظهر لنا صورة انحطاط القيم في انتقال فقهاء السلطان من قيم الولاء للعدل المطلق، إلى الولاء للاستبداد المطلق، وهذه مقارنة بين هذين الأصوليين الشافعيين، فإن كان كتاب"الأحكام السلطانية"للماوردي عبارة عن تأسيس للمعنى الثاني، فإن كتاب"غياث الأمم في التياث الظلم"للجويني هو في باب تأسيس المعنى الأول، كما يقول الدكتور إبراهيم زين [2] .
(1) الجويني، إمام الحرمين عبد الملك الجويني النيسابوري: غياث الأمم في التياث الظلم، تحقيق: عبد العظيم الديب، (قطر: مكتبة إمام الحرمين، ط1، 1400هـ) ، ص82.
(2) انظر: زين، إبراهيم، مراجعة لكتاب:"الفكر الأصولي وإشكالية السلطة العلمية"، لعبد المجيد الصغير، مجلة إسلامية المعرفة، العدد الأول، سنة 1995م، ص158.