إن الدارس لمباحث التصحيح اللغوي في العراق يلاحظ وجود ظاهرتين تحددان مناهج الباحثين العراقيين في هذا الباب (21) :
الأولى: ظاهرة التساهل والتجويز في الاستعمالات اللغوية المعاصرة ما دامت تؤدي المعنى المتعارف عليه بين عامة الناس - على الرغم من وجود الانحراف والخطأ فيها - وممن مثل هذه الظاهرة الرصافي والزهاوي وطه الراوي والدكتور إبراهيم السامرائي .
الثانية: التشدد في قبول الاستعمالات اللغوية غير المنصوص عليها في كتب اللغة والدعوة إلى رفضها لأنها خارجة عن سنن اللغة العالية .
وممن يرى هذا الرأي الأب أنستاس الكرملي ومصطفى جواد وكمال إبراهيم وقد وصف الدكتور العزاوي هؤلاء بالمتزمتين أو المتشددين بقوله: وفي عصرنا الحاضر تزمتّ عدد من النقاد أيضًا فسلكوا سبيل ابن فارس ومؤيديه وضيقوا على المنشئين مجال القول وخطروا عليهم مفردات وأساليب بحجة أنها لم تسمع عن العرب ، أو لم تكن مما وعته المعجمات ؟ ومن هؤلاء إبراهيم اليازجي وعبد القادر المغربي والكرملي ومصطفى جواد وكمال إبراهيم وغيرهم كثير (22) .
فالتزمت في النقد اللغوي إذن مذهب له أتباعه ومؤيدوه في القديم وفي الحديث . وسأتطرق في هذا البحث إلى النقاد اللغويين المحدثين العراقيين - المتشددين منهم والمتساهلين - ومحور النقد عند هؤلاء النقاد هو الألفاظ - فقد ردّ المتزمتون كثيرًا من الصيغ والمفردات لأنها لم تنقل عن فصحاء العرب الذين يحتج بأقوالهم فالأب أنستاس الكرملي عرف بسعة علمه وصبره على متاعب التحقيق الدقيق في معرفة أصول الألفاظ وهو من القائلين بالحفاظ على تلك الأصول اللغوية والابتعاد عن كل ما ينأى بها عن البناء الصحيح وعني عناية واضحة بتصحيح الألفاظ التي زاغت عن قواعد الفصحى وأساليبها فنشر الكثير من ذلك في مجلته (لغة العرب) ثم في جريدة (دار السلام) وصحف مصر والشام ومجلاتها (23) .