الصفحة 8 من 29

أما كلمة الطبع في قول الشاعر فهي لا تعني الطبع في مقابل الاكتساب ، وإنما تعني الطبع الذي يقابل الصنعة والتكلف ، وهي فكرة ظهرت في الأدب العربي القديم ، وهذا داخل في إطار المشادات التي كانت تقوم بين الشعراء والنحاة ، فكان الشعراء يفخرون على النحاة بأنهم يتكلمون بالسليقة ، دون تكلف ولا صنعة ولا إطالة نظر وتعلم كالنحاة ، وهذا هو معنى قول الشاعر أيضا:

ولست نحويا يلوك لسانه ولكن سليقي أقول فأعرب

وهذا ما ذهب إليه ابن خلدون في تفسيره للطبع في هذا المقام حيث يقول:"هكذا تصير الألسن واللغات من جيل إلى جيل ، وتعلمها العجم والأطفال ، وهذا هو معنى ما تقوله العامة من أن اللغة للعرب بالطبع ، أي بالملكة الأولى التي أخذت عنهم" [9] .

وهناك قضية أخرى تتصل بهذا الموضوع ، وهو ما أثبته العلماء القدماء الذين شافهوا فصحاء العرب ، وهي أن العربي الفصيح ـ وخاصة الأعرابي ـ لا يطاوعه لسانه على النطق باللحن ، وذكر هؤلاء العلماء قصصا عديدة في هذا الشأن ، كقصة"ليس الطيب إلا المسك"التي أوردها الزبيدي عن أبي عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر الثقفي [10] . كما ذكر ابن خلدون أن صاحب الملكة لا يستطيع أن يحيد عنها:"ولو رام صاحب هذه الملكة حيدا عن هذا السبيل المعينة والتراكيب المخصوصة لما قدر عليه ، ولا وافقه عليه لسانه ، لأنه لا يعتاده ، ولا تهديه إليه ملكته الراسخة عنده" [11] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت