الصفحة 7 من 29

ويورد تمام حسان [3] نصوصا لعلماء عرب قدماء يزعم أنهم يقولون فيها بفكرة الطبع في السليقة اللغوية ، ويرى أن القائلين بالطبع كثرة ، فذكر منهم ابن جني الذي أتى بحكاية أبي حاتم السجستاني مع الأعرابي في قوله تعالى [4] : { طُوبَى لَهُمْ } [5] ، والتي قرأها الأعرابي: طيبى [6] ، وذكر قول الشاعر الكلبي:

كَمْ بَيْنَ قَوْمٍ قَدِ احْتَالُوا لِمَنْطِقِهِمْ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَلَى إِعْرَابِهِمْ طُبِعُوا

وكذلك قول ابن فارس:"فاجتمع ما تخيروا من تلك اللغات إلى نحائزهم وسلائقهم التي طبعوا عليها" [7] .

أتى بكل هذه الشواهد لكي يدلل على أن النحاة العرب واللغويين كانوا يعتقدون أن السليقة أو الفصاحة أمر طبيعي لا مكتسب ، ولكن الذي يمكن ذكره في هذا المجال أن الطبع هنا لا يعني الفطرة التي هي عكس الاكتساب ، وإنما يعني العادة التي تصبح بعد المران كأنها طبيعة ، وهذا ما أكده ابن خلدون ـ كما رأينا من قبل ـ .

وكيف يمكن للعلماء العرب أن يقولوا بأن الفصاحة طبع عند العربي وهو يشاهدون من حولهم أعاجم قد صاروا فصحاء ، وعربا يلحنون في كلامهم ، وعلى هذا الأساس حددوا رقعة الفصاحة من الناحية الزمانية والمكانية ، فلو كانوا يعتقدون أن الفصاحة للعرب بالطبع لحددوها بالجنس العربي ، فكل من كان عربيا فهو فصيح ، ولو عاش وسط الأعاجم، ولكن تحديدهم لرقعة الفصاحة لم يكن على هذا الأساس ، بل أبعدوا قبائل كثيرة بحجة التأثر بغيرها من الأمم المحيطة بها .

ونلاحظ أن تمام حسان [8] يورد أحكاما على القدماء في هذه المسألة دون أن يأتي بشاهد واحد يثبت ما يدعيه ، فليس صحيحا أن اللغة العربية في دم العربي تظهر على لسانه، ولو ولد في بيئة أجنبية ، وليس مستساغا أن المرء إذا نشأ على الكلام بلغة بقي أمينا على تمثيل هذه اللغة . فكأن تمام حسان ينسب هذه الأفكار التي يرد عليها إلى النحاة العرب القدماء، ولكنهم منها براء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت