ونشير هنا إلى أنّ هذه القصص قد أظهرت الشخصيّات المتحوّلة من خلال منطوقها، وممارساتها أيضًا دون استبطان لعالمها الداخلي، على خلاف ما كان في الأعمال القديمة التي لعبت فيها تقنيّتا الاسترجاع والاستباق دورًا هامًّا في الكشف عن أعماق الشخصيّة المسحوقة، للوقوف على رغباتها، وأحلامها، وردود فعلها أمام الواقع، ومن ثمّ تعبيرها عن رفضها الظلم الواقع عليها، وإن جاء في أضعف حالاته.
إنّ دراسة القبيح السلطوي في قصص زكريّا تامر يتجلّى أكثر ما يكون في شكله السياسي. ذلك أنّ المواجهة معها تختلف درجة عن المواجهة مع سواها من أشكال السلطات الأخرى، فدكتاتوريّة الأب في المنزل لم تمنع من بروز صوت الابن الذي عبّر عن نفسه علانيّة، فأظهر رغباته رغم ما آل إليه ذلك الإعلان من قمع نهائي حال دون تحقيقها، وكذلك الحال مع سلطة ربّ العمل، والمجتمع، والدّين.
على أنّ المواجهة مع رجال الشرطة، والمحقّقين، والقضاة أخذت شكلًا آخر صار إلى إلغاء صوت الفرد المسحوق، وبالتالي إلى إيذائه جسديًّا ونفسيًّا، وهو ما لم يسجّل لغيرها من أنواع السلطات الأخرى. ممّا يظهر جليًّا من خلال الخطاب والمشهد السلطويين اللذين يتقدّمان معًا - في الأعمال كاملة- بالشكل نفسه تقريبًا الذي تعرى فيه السلطة بنفسها، جنبًا إلى جنب مع الأحكام التي تطلقها عليها الشخصيّات القصصيّة بما يحقّق القصد الجمالي في إدانتها بحثًا عن بديل جمالي للواقع القبيح.
_ الخطاب السلطوي: