وصورة الروضة الغزلية الكلّيّة، أو اللوحة الكلّيّة؛ بمشاهدها المتنوعة، وصورها الحسيّة: (البصريّة، والشمّيّة، والذوقية، واللمسية، والسمعيّة) والحركية، والإيحائية، وبما تنطوي عليه من المعاني الخفية، والدلالات النفسية البعيدة صورة رمزية، ترمز إلى الحياة التي نشدها عنترة في مخيلته الشعرية، محققًا في الفن ما لم يتمكن من تحقيقه في الواقع ؛ الحياة الجميلة الهنيئة، الآمنة الوادعة، العامرة بالخصب والنماء، الحافلة بالنشاط والحيوية، الطافحة بالبهجة والفرح، تكون عبلة - الروضة الركن الأساس فيها، والمقطع الأبهى والأجمل في نسيجها، ويكون عنترة الإنسان الفاعل فيها، والمتنعم بما فيها من خصب، وجمال، وسكينة، تنعّم الذباب - المعادل الفنّي بهذه الروضة الجميلة النديّة .
يظن الدارس - بعد ذلك كله - أن لوحة الروضة الغزلية البديعة هذه، بما انطوت عليه من الرموز، والصور، بدلالاتها المتنوعة حققت لعنترة - الشاعر الحالم - غير قليل من الرغبات المكبوتة في أعماق النفس، وفرّجت عنها؛ أهمها: الحياة النديّة الجميلة، والعتق والحريّة، والوجود الإنساني الكريم، ووصل من يهواها ويحبّها، وعيش هنيء آمن. وهنا تحضر الدارس مقولة للدكتور عز الدين إسماعيل مفادها: العمل الفنّي تدفع إليه أسباب هي التي تدفع إلى الحلم، ويحقق من الرغبات المكبوتة في اللاشعور ما يحققه الحلم، ويتخذ من الرموز والصور ما ينفّس عن هذه الرغبات، ويخلق بين هذه الرموز أو الصور علاقات بعيدة وغريبة في الوقت نفسه، ومن هنا تأتي المتعة التي يجدها الفنان في إخراجه عمله الفني إلى الوجود (28) . فهل وجد عنترة المتعة في إبداع هذه اللوحة كما وجدها المتلقّي في تلقّيها ؟ وهل كانت هذه اللوحة الجميلة حلمًا جميلًا ؟.
روضة الأعشى (29) :
في سياق التغزل بهريرة، والتغني بمفاتنها يقول الأعشى الكبير (30) :
ما روضةٌ من رياضِ الحَزْنِ مُعْشبةٌ خضراءُ جادَ عليها مُسْبِلٌ هَطِلُ