الصفحة 22 من 25

وقد اختلفت نظرة الباحثين المحدثين إلى موقف ابن مضاء من أفكاره هذه، فمنهم من رأى أنه قد عمل على تطور النحو وتيسيره، ومنهم رأى أن الدافع إلى دعوته هو الشهرة التي كان يطمح إلى تحقيقها، وهي أن يكون إمامًا مشهورًا في العربية، ومنهم من رأى أنه لم يتصد للنحويين بقصد إحياء النحو وتيسيره، بل كان مدفوعًا إلى أن يرد عليهم لما يحمله من عقيدة ظاهرية، وبعضهم يرى أن ابن مضاء كان مجددًا من ناحية، ومن ناحية أخرى متفلسف يصطنع فلسفة القرون الوسطى (91) .

ومهما يكن من أمر فإن ثورة ابن مضاء ذهبت صرخة في واد، لأن قواعد النحو أُقيمت على أُسس وأُصول، وبذل فيها النحاة كل ما في استطاعتهم في سبيل إقامة صرح هذه القواعد، وأن هبوب رياح التغيير لم تستطع أن تحرّك شيئًا في التراث النحوي.

ولست أود الإفاضة في هذا الموضوع، لأن الذي يهمنا هو مدى تأثر أبي حيان بدعوة ابن مضاء القرطبي.

يمكننا حصر أوجه الاتفاق والافتراق بين أبي حيان وابن مضاء في الأمور الآتية:

1-تأثر أبو حيان بابن مضاء في دعوته إلى طرح التعاليل التي لا تجدي نفعًا، قال أبو حيان: والنحويون مولعون بكثرة التعليل، ولو كانوا يصنعون مكان التعليل أحكامًا نحوية مستندة للسماع الصحيح لكان أجدى وأنفع (92) .

2-تأثر به أيضًا في إلغاء التمارين غير العملية، لأنها من وضع النحاة، ولا يوجد نظائرها في لسان العرب.

3-أراد ابن مضاء أن يضيّق دائرة القياس على حين نجد أن أبا حيان لا يدعو إلى إلغاء القياس بل كان يأخذ به.

4-كان ابن مضاء يدعو في كتابه الرد على النحاة إلى إلغاء نظرية العامل، فهو يرى مثلًا أن الظرف والجار والمجرور إذا وقعا إخبارًا فإنهما لا يتعلقان بعامل محذوف، وأنه لا عامل ولا معمول.

أما أبو حيان فإنه سلك مسلك القدماء في الاهتمام بالعامل، وهو على حق في هذا، لأن إنكار العامل فيه إنكار للنحو، وإدخال للخلل والاضطراب في المسائل النحوية التي قام عليها تراثنا النحوي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت