على أن ما ذكرناه في شخصية أبي عبيدة لا يغض من مكانته العلمية ومنزلته الثقافية بحال من الأحوال فقد قال فيه الجاحظ:"لم يكن في الأرض خارجي ولا جماعي أعلم بجميع العلوم من أبي عبيدة"، (85) . وفي عهده وضعت أسس العلوم الإسلامية على ما اختلفت نواحيها من تفسير وفقه وأخبار، وكان أبو عبيدة يشارك في أنواع هذه الثقافة مشاركة جيدة. ونستطيع أن نتبين في كتبه جوانب من هذه الثقافة، فهي لغوية بما فيها من تفسير وحديث وغريب، وهي تاريخية تتناول مواضيع في تاريخ العرب وعاداتهم في جاهليتهم أحيانًا وفي إسلامهم أحيانًا أخرى، وقد تتجاوز ثقافته هذه الأمة العربية إلى عادات وأخبار لغير العرب (86) .
ولعل فيما روي من اعتراف أبي الحسن الأخفش الأوسط برفعة مكانة أبي عبيدة في العلم بغريب اللغة حتى قدمه على نفسه، معلنًا تأثره بكتاب المجاز وإفادته منه في كتابه معاني القرآن، دليلًا آخر يضاف في هذا المجال فقد (قال أبو حاتم: كان الأخفش قد أخذ كتاب أبي عبيدة في القرآن فأسقط منه شيئًا وزاد شيئًا، وأبدل منه شيئًا، قال: أبو حاتم: فقلت له: أي شيء هذا الذي تصنع؟... من أعرف بالغريب أنت أو أبو عبيدة؟... فقال: أبو عبيدة، فقلت: هذا الذي تصنع له ليس بشيء، فقال: الكتاب لمن أصلحه، وليس لمن أفسده) . (87) .
كما أن فيما ورد في صلب الدراسة دلائل أخر تثبت شأن أبي عبيدة وعلو قدره العلمي، ولا مندوحة لنا من الإقرار بأنه من العسف أن نغضَّ من المكانة العلمية لإنسان ما، فنغمطه حقه لأنه لا يوافقنا في أخلاقه ومعتقداته ومواقفه. فهذه الأمور شيء والعلم والحقيقة شيء آخر.
موفق السراج
جامعة البعث ـ كلية الآداب والعلوم الإنسانية.
*الحواشي والتعليقات:
(1) ـ مباحث في علوم القرآن، ص 294.
(2) ـ نفسه، ص 295.
(3) ـ نفسه 296.
(4) ـ معاني القرآن للأخفش الأوسط مطبوع في الكويت في جزأين عام 1979، بتحقيق د.فائز فارس.