جعلت هجرة اليهود إلى فلسطين في حكم المستحيل تقريبًا. وكلما كان ينتعش الروح اليهودي القومي يشتد كره الأمم لهم، وهم لا يعبئون بذلك زاعمين أنها موجة ستضمحل أمام الرقي العلمي المنتشر هناك، فانتهت عاقبة هذا الرجاء بالفشل وتعرضوا للاضطهاد في الأقطار.
ألف الزعيم الصهيوني الكبير تيودور هرتسل كتابه الوطني اليهودي سنة 1895. وقد جاء فيه أن مقاومة اليهود في نمو مستمر ومقاومتهم خطر على العالم بأسره، لأن اليهود شعب لا يمتزج بغيره والاختلاط الحقيقي يكون بالزواج المتبادل، واقترح فيه أن يعطي لهم جزء من الأرض في فلسطين أو الأرجنتين ليجتمعوا بها ويقيموا لهم وطنًا خاصًا بهم، وإذا سمح لهم بفلسطين فإنهم يرون من الواجب أن تكون محلات العبادة المختصة بالطوائف الأخرى ملكًا ممتازًا لهم. وأشار بتأليف جمعية تشرف على الأعمال العلمية والسياسية وتأسيس شركة يهودية كالشركات
الإنكليزية والفرنساوية الصناعية الاستعمارية العظمى يكون رأس مالها 50 مليون ليرة إنكليزية وتتخذ لها مركزًا رئيسيًا في لندن، ويعهد لهذه الشركة بالأعمال التي تهيئها اللجنة التنفيذية اليهودية وتسعى الطائفة الجديدة لترويج المهاجرة بطريقة منتظمة، ولم يعبأ هرتسل بقوانين الكنيسة فطلب فصلها عن السياسة.
ولما زار هرتسل بريطانيا العظمى لم يقبل اليهود على دعوته كما أقبل أهالي أوربا الذين ناصروه بالمال والرجال. وأول من أعتقد بصحة مشروع الوطن اليهودي جمعية زيون في النمسا التي طلبت تأليف جمعية يهودية عامة، واقترحت تأسيسها في لندن، ثم عرفوا هرتسل أن جمعيتهم قبلت دعوته. وظهر أن الذين استهوت قلوبهم فكرة تأليف الجنسية اليهودية هو الذين اعتبروا هرتسل زعيمًا ومخلصا لهم. ولكن المتدينين قاوموه عندما عرفوا أن بعض زعماء دعوته لا دينيون. وتصدى له رؤساء الحاخامين في روسيا وألمانيا والنمسا وإنكلترا وقالوا: إن الصهيونية حركة بعيدة عن اليهودية وإنها مخالفة لأوامر الله تعالى. وقال الكاتب الشهير لوسيان وولف: ن الصهيونية حماقة، وقال غايكر: إن الصهيونية تؤدي إلى حرماننا حقوقنا المدنية في الممالك الخارجية. أما بعض نصارى أوربا فقد أظهروا عطفًا على الصهيونية وطفقت بعض جرائدهم تحض اليهود على