ومن الصناعات التي كانت الشام وما برحت تفتخر بها صناعة الشقق الحريرية والقطنية، وهي عبارة عن قماش محوك طوله تسعة أذرع في عرض ذراع. ولصناعه تفنن في نقشه وصبغه، يدل على رسوخ قدم في الصناعة، وذوق جميل فيها، واشتهرت مدن الشام بإتقان تلك الصناعة، ومنها دمشق وحلب وحمص وحماة وطرابلس، وأشهرها المسماة بالمصرية والحامدية والحموية والحمصية والحلبية. وتفصيل تلك الشقق على الطراز العربي وهي قطنيها وحريريها على غاية من المتانة والجمال. وكانت قديمًا لباسًا عامًا للأهلين فقيرهم وغنيهم رجالهم ونسائهم وقل المنفق منها الآن لاعتياد الناس اللباس الإفرنجي، ولا تزال مع هذا لباس أكثرية الأهالي يعملون منها القفاطين القنابيز وتدر تلك الصناعة عليهم أرباحًا وفيرة، وتصدر إلى الأناضول ومصر والحجاز والعراق، ويعد تجار تلك الصناعة من الأغنياء غالبًا. ومن الصناعات الدقيقة الصنع أيضًا الشال القطني
والحريري والزنانير والشملات، وأتقنها ما عمل في طرابلس وبيروت وحلب ودمشق، ومن صناعات الشام الكوفيات الحريرية على اختلاف ألوانها ووشيها بالقصب الفضي بنقوش ورسوم غاية في الإبداع وسلامة الذوق والمتانة، وما فتئت هذه الصناعات إلى الآن زاهرة رغم مزاحمة الأوربيين بكل ما عندهم من قوة تجارية وصناعية وتفنن وإبداع.
ومن الصناعات التي كانت من متممات اللباس لكنها ضعفت للغاية صناعة المشدات المعروفة بالكمار وهي تنسج بالصوف والغزل ذات طاقين طويلين تشد على الخصور، ولا تزال لباس الوطنيين الذين لم يتأوربوا أي لم يتشبهوا بالأوربيين فضعفت صناعتها. وقد أحدث السادة كسم وقباني معملًا لحياكة الحرير في دمشق ضاهيا به ما يصنع من نوعه في فرنسا، وكذلك أحدث السادة توفيق وكامل وسعيد الكحالة معملًا لصنع ثياب الكتان والشراشف ينافس مصنوعات أوربا، وأحدث السيد أنطون مزنر في دمشق معملًا لصنع الشال الحرير غاية الغايات إتقانًا وجمالًا. وفي دمشق ثلاثون آلة لغسل الحرير على الطرز الحديث. ومما تمتاز به حماة عن سائر المدن الصناعية نسج المآزر للنساء مما يستعملنه في الحمام وتسمى المناشف، وما تغطى به الفرش ويسمى الشراشف