-وكَانَ رَحِمَهُ الله عَظِيْمَ الحُرْمَةِ، وَافِرَ الجَلالَةِ، ذَا حُشْمَةٍ ووَجَاهَةٍ عِنْدَ السُّلْطَانِ والأعْيَانِ، ومَعَ هَذَا أيْضًا لَمْ يَفْتَأ رَحِمَهُ الله يَتَألَّفُ الغُرَبَاءَ ويُقَرِّبُهُم، ويتَلَطَّفُ بِهِم، حَتَّى صَارَ مِنْ أخِصَّاءِ تَلامِيْذِهِ بَعْضُ العَجَمِ، وكَانَ يَتَفَقَّدُهُم، ويَسْألُ عَنْ حَالِهِم .
ولَقَدْ صَحِبَهُ ثُلَّةٌ مِنْ أهْلِ المَذَاهِبِ فَرَجَعُوا عَنْ مَذَاهِبِهِم لِمَا شَاهَدُوْهُ فِيْهِ مِنْ فَقَاهَةِ النَّفْسِ، وفِقْهِ الشَّخْصِ عِنْدَ تَقْرِيْرِ الدَّلِيْلِ، وتَحْرِيْرِ التَّعْلِيْلِ، ومَا ذَاكَ إلَّا أنَّ الدَّلِيْلَ الصَّحِيْحَ جَلِيْسُهُ، والتَّعْلِيْلَ الصَّرِيْحَ أنِيْسُهُ!
كَمَا كَانَ رَحِمَهُ الله مُتَوَاضِعًا في مَلْبَسِه ومَأكَلِهِ لا تَرَى عَلَيْهِ أثَرَ الفَارِهِيْنَ، أو لُبْسَةَ المُتَنَعِّمِيْنَ؛ بَلْ أثَرُ الزُّهْدِ عَلَيْهِ ظَاهِرٌ، وعَلامَةُ الخُشُوْعِ على قَسَمَاتِهِ سَافِرٌ!
وقَدِ اجْتَمَعَ حَوْلَهُ طَلَبَةُ العِلْمِ مِنْ كُلِّ فَوْجٍ عَمِيْقٍ، وقَصَدَهُ التَّلامِيْذُ مِنْ كُلِّ نَسْلٍ عَرِيْقٍ، واحْتَوَشَهُ رُوَّامُ العِلْمِ مِنْ زَوَايَا الأرْضِ، وسَقَاهُم سَلْسَبِيْلَ العِلْمِ كالحَوْضِ؛ حَيْثُ بَنَى لَهُم المَسَاكِنَ والدُّوْرَ، وأجْرَى عَلَيْهِم الأمْوَالَ الكَثِيْرَةَ، والمَعَائِشَ الوَفِيْرَةَ ... حَتَّى غَدَتْ مَدِيْنَةُ «عُنَيْزَةَ» مَعْقَلًاللعِلْمِ والتَّعْلِيْمِ، فلْيَفْخَرْ أهْلُهَا على العَالَمِيْنَ؛ إذَا تَفَاخَرَتْ طَيٌّ وتَمِيْمٌ!