الصفحة 64 من 80

الدليل السادس والخمسون: قوله تعالى: { هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [1] ، و عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول إذا أوى إلى فراشه اللهم رب السماوات ورب الأرض ورب كل شيء فالق الحب والنوى منزل التوراة والإنجيل والقرآن أعوذ بك من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء زاد وهب في حديثه اقض عني الدين وأغنني من الفقر [2] و نؤكد هنا على قوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْء ) أى ليس أقرب منك شيء ، و ثبوت هذا الاتساع المطلق لله نفسه يقطع الطريق على من يدّعون الألوهية مثل فرعون والبهاء وغيرهما، لأنهم مثاقيل ذر فانية ولا اتساع لهم . مناقشة الدليل: ليس أقرب من الله شيء ،و قرب الشيء من الشيء لا يشترط له الوجود في نفس المكان ألا ترى أن الرجل قد يقول لصاحبه أنت قريب مني لقربه القلبي منه ، و يقول لصاحبه الآخر أنت بعيد عني لبعده القلبي عنه ،وما ذكر في القرآن و السنة من علوه وفوقيته لا ينافي ما ذكر من قربه ومعيته ، فإنه سبحانه: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } [3] فهو القريب في علوه ، و هو العلي في دنوه فلا يقال: إذا كان فوق خلقه فكيف يكون معهم ؟ لأن هذا السؤال ناشئ عن تصور خاطئ هو قياسه سبحانه بخلقه وهذا قياس باطل ، لأن الله سبحانه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فالقرب والعلو يجتمعان في حقه لعظمته وكبريائه وإحاطته وأن السماوات السبع في يده كخردلة في يد العبد ، فكيف يستحيل في حق من هذا بعض عظمته أن يكون فوق عرشه ويقرب من خلقه كيف يشاء وهو على العرش .

(1) - الحديد الآية 3

(2) - صححه الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود رقم 5051

(3) - الشورى من الآية11

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت