الصفحة 47 من 95

وَجْه التعارض: أنّ الرواية الأولى بيَّنَت أنّ نكاح النبي - صلى الله عليه وسلم - لِلسيدة ميمونة - رضي الله عنها - كان في حالة الإحرام ، وأنّ الرواية الثانية أثبتت عكس ذلك ، وهنا تعارض الحُكْم في الروايتيْن ، ولا بُدّ مِن الترجيح بَيْنَهُمَا.

وجْه الترجيح لِكُلّ رواية منهما: أنّ رواية ابن عباس - رضي الله عنهما - قد رجحت بفقهه وضبطه ، ورواية أبي رافع - رضي الله عنه - قد رجحت لِلمباشرة حيث قال:"كُنْتُ الرَّسُولَ بَيْنَهُمَا"، وهذا تعارُض بَيْن الترجيحيْن ..

ولِذَا رجحت رواية ابن عباس - رضي الله عنهما - بأنّ الإخبار بالإحرام لا يكون إلا عن معاينة الهيئة الإحرامية ، فيكون العلم به أقوى .

كما رجحت رواية أبي رافع - رضي الله عنه - بموافقة صاحبة الواقعة ؛ حيث قالت رضي الله عنها:"تَزَوَّجَنِي وَنَحْنُ حَلاَلاَن"، وصاحِب الواقعة أَعْرَف بحاله ، وهذا تعارُض ثانٍ بَيْن الترجيحيْن .

ولِذلك ذهب الحنفية إلى الجمع بَيْن الروايتيْن: فيُحمل قولها:"تَزَوَّجَنِي"مَجازًا عن الدخول لِعلاقة السببية العادية ؛ جمعًا بَيْن الحديثيْن .

وذهب غَيْر الحنفية إلى ترجيح ما رواه أبو رافع - رضي الله عنه - ؛ لأنّ صاحب القصة الواقعة أَعْرَف بحاله [1] .

تقديم الترجيح بالذات على الترجيح بالحال:

قدَّم الحنفيةُ الترجيحَ بالذات على الترجيح بالحال ؛ لِوجْهيْن:

الوجه الأول: أنّ الحال يقوم بالغَيْر ، وما يقوم بالغير فله حُكْم العدم بالنظر إلى ما يقوم بنَفْسه .

الوجه الثاني: أنّ الذات أسبق وجودًا مِن الحال ، فيقع الترجيح به أوّلًا ، فلا يتغير بما يحدث بَعْد: كاجتهاد أمضى حُكْمَه .

(1) - يُرَاجَع: التحرير مع التيسير 3/168 وفواتح الرحموت مع مسلَّم الثبوت 2/209 والتعارض والترجيح عند الأصوليين /399 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت