2)ارتكاب أخف الضررين، هذا مبدأ عقلي يلتزم به معظم الناس في حياتهم الخاصة، فما من عاقل يخير مثلًا بين أن يقتله اللصوص أو يأخذوا ماله إلا فضل الضرر الثاني على الأول، لكن بعض الناس ينساه في مجال الحياة العامة، وذلك أنهم يظنون خطأ أنه لا مجال في الدين لقبول أنصاف الحلول، فإما الحق كله أو تركه كله، فيخلطون بين منطق العقيدة الذي لا يقبل مساومة ومنطق العمل الذي لا بد فيه من النقص والتقصير. منذ أعوام مضت شاعت بين بعض الشباب عبارة تنسب للأستاذ سيد قطب عليه رحمة الله يقول فيها:"خذوا الإسلام جملة أو دعوه"، فصاروا يرون أن لا فرق بين دولة تطبق شيئًا من الإسلام ودولة تتركه كله، بل صار بعضهم يعتقد أن الثانية خير من الأولى لأن موقفها صريح لا نفاق فيه، هذا مع أن العبارة لو أُخذت بحرفيتها صار كل مسلم، ما عدا الرسول صلى الله عليه وسلم مقصرًا، لأنه ما من أحد بعده صلى الله عليه وسلم يمكن أن يأخذ الإسلام كله فيفعل كل الواجبات والمندوبات ويترك كل المحرمات والمكروهات، أما في مجال الاعتقاد فنعم لا يكون الإنسان مسلمًا إذا هو أنكر شيئًا من الدين يَعلم أنه منه مهما كان ذلك الشيء كبيرًا أو صغيرًا، ولكن حتى في مجال الاعتقاد فإن الذي يكفر ببعض الدين أقل شرًا من الذي يكفر به كله، والذي يكفر به كله أقل شرًا من الذي يكفر به ويصد عنه، (الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ) [سورة النحل: 88] .