وتكمن أهمية التحليل السياسي في كونه يحاول تفسير الظواهر السياسية التي أصبحنا جماعات وأفرادًا نتأثر بها بصورة مباشرة وغير مباشرة، فلم يعد الأفراد والجماعات في العصر الحديث وفي ضوء طبيعة الدولة المدنية الحديثة يملكون استقلالية مصيرهم الشخصي والجمعي، وإدارة حياتهم اليومية بشكل خاص! بل على العكس من ذلك أصبحت السياسة اليوم مؤثرًا كبيرًا في جزئيات وتفاصيل الحياة اليومية. فمأكلنا ومشربنا وملبسنا وتحركنا وأداؤنا اليومي متأثر في كثير من جوانبه بالسياسة، وعليه أصبح من الضروري على كل فرد من الأمة اليوم أن يكون على معرفة واطلاع ومتابعة للأوضاع والمجريات السياسية لبيئته وما يحيط بها؛ لكي يتعاطى مع ما حوله من المجريات بشكل إيجابي، لأننا أفرادًا وجماعات أصبحنا مؤثرين في توجيه السياسة العامة وتشكيلها والتأثير عليها، عبر وسائل مختلفة، بعضها مباشر وكثير منها غير مباشر.. وبحسب فهمنا الجيد للسياسة ومجرياتها يكون أداؤنا وتأثيرنا إيجابًا أو سلبًا على الظواهر السياسية.
ويكفي أن الهجرة الأولى للرعيل الأول للصحابة إلى أرض الحبشة كانت قائمة على إدراكٍ واعٍ لطبيعة النظام السياسي القائم وطبيعة أدائه، (ففيها ملك لا يظلم عنده أحد) .. إذن فهي مملكة.. القرار فيها لفرد لا منازع له على سلطانه، وهو فرد عادل لا يظلم عنده أحد! هذا التحليل السياسي لهذا الوضع أتاح لأصحاب محمد عليه الصلاة والسلام خيارًا آمنًا للحفاظ على دينهم وأداء شعائره بأمان!
ويهدف التحليل السياسي إلى معالجة القضايا والمواقف بشكل أكثر وعيًا وعمقًا، والبعد عن المعالجة العاطفية، أو السطحية، أو المجتزأة، أو الظنية التي لا تستند إلى أدلة واضحة وبراهين قوية، وعن الأحكام المطلقة جزافًا، مع البحث في كافة الاحتمالات الممكنة، والتفضيل فيما بينها، ومن ثم ترتيب الأولويات وانتقاء الخيارات الأفضل مستقبلًا.