قال الزبير بن بكار: سمعت مالك بن أنس وأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله من أين أُحرِم؟ قال: من ذي الحليفة، من حيث أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: إني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر، قال: لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة، فقال: وأي فتنة هذه؟! إنما هي أميال أزيدها؟! قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصّر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! أما سمعت الله يقول: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور:63] .
وبعض الناس قد ينهجون منهج الزهد والتزهيد في اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع وضوح هذه الطريق التي كان عليها الصحابة، من شدة تعظيم أمره صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، بل ليس هذا فحسب! فقضية مثل هذه القضية التي نشير إليها، وهي قضية جر الثياب، سواء القميص الذي يوصف الآن بأنه قميص قصير، لكن أصل كلمة (القميص) كما قال تعالى: {وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ} [يوسف:25] يقصد به: الثوب أو الإزار -وهو غير منتشر الآن هنا- أو السراويل أو نحو هذه الأشياء.
فبعض الناس ليسوا فقط يجرّون الثياب إهمالًاَ لهدي النبي صلى الله عليه وسلم أو تهاونًا بسنّته فحسب، بل أيضًا يضحكون ويتغامزون ويتفكّهون إذا رأوا مسلمًا يتبع سنة النبي صلى الله عليه وسلم ويقصر ثيابه، فتصير كأنها نكتة أو شيء يُذكر للضحك وللفكاهة؛ لأن فلانًا يعتقد أن الدين هو أن يلبس الثياب القصيرة ويحمل السواك! ومن الناس أيضًا من يسمي التمسك بهذه الشعائر الإسلامية تطرفًا! فنقول: الأمر في الحقيقة ليس تطرفًا ولا تزمتًا ولا شيئًا من هذه المصطلحات الشيطانية! ولكن ينبغي إبدال كلمة (التطرف) بقوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا} [آل عمران:103] ، فهو ليس تطرفًا، ولكنه اعتصام بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو احتماء وتمسك بحبل الله المتين، واسم (الاعتصام) ليس تطرفًا، بل معنى التطرف: الأخذ بأطراف الأمور في أقصى اليمين أو في أقصى اليسار، أي: بالإفراط أو التفريط، هذا هو التطرف، أما هذه الأمة في ظل هذه الشريعة فهي الأمة الوسط.
فالأصل والميزان الذي توزن به الأشياء هو أن كل ما وافق كتاب الله وسنة رسوله فهو الوسط وهو الحق وهو العدل، أما الانحراف عنهما يمينًا أو يسارًا بالإفراط أو التفريط بالتقصير أو بالغلو؛ فهذا هو التطرف وهو الهلاك، وأما التمسك بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو الاعتصام بحبل الله، كما قال عليه الصلاة والسلام: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به فلن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله، وسنّتي) ، فهذا تمسك بدين الله، وتعظيم لحرمات الله، وتوقير لشعائر الله، واعتصام بحبل الله، ولا يجوز أبدًا أن يوصف بالتطرف.
ومصطلح التطرف هم يقولونه على أساس أن ما عليه المجتمع الآن من ضياع وفساد وانحلال -في نظرهم- هو الوسط وهو العدل! فكل من انحرف عنه فهو متطرف، فعري المرأة وتبرجها وتهتكها واختلاطها بالأجانب، والفسق المعروف في المجتمع على الشواطئ وفي النوادي، وغير هذه الأشياء، هذا عندهم هو الوسط والاعتدال! بمعنى أن تعيش كما يعيش أهل زمانك وأن تهلك معهم! أما إذا تمسكت بدينك فأنت متطرف!! إذا امتنعت من مصافحة النساء فأنت متطرف!! إذا فعلت الأشياء التي يُحبها الله فأنت متطرف!! أما الذي يشرب الخمر فلا يوصف بالتطرف!! أما الذي يفعل ما حرم الله جهارًا فهذا غير متطرف!! كذلك مصطلح (الإرهاب) أو (الإرهابيين) ، والإرهاب يكون لأعداء الله: {تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال:60] وليس المسلمون يرهبون بعضهم بعضًا.
وأيضًا مصطلح (الهوس الديني) ! وهذا شيء غير جديد؛ لأن الأنبياء قد رُمُوا بالجنون، كما قال الشاعر: قيل إن الله ذو ولدٍ قيل إن الرسول قد كَهَنا لم يسلم الله والرسول معه من كلام الورى فكيف أنا؟ فلم يسلم الله سبحانه وتعالى مِن سبّ المشركين حينما زعموا أنه ذو ولد! أو أنه ثالث ثلاثة! أو أن له بنات وهن الملائكة! ولم يسلم الرسل كذلك: {وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ} [القمر:9] ، {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص:5] ، فهذا شأن الكفار والمعرضين عن شرع الله سبحانه وتعالى، فشأنهم أن يتطاولوا على أهل الحق بهذه المسميات الشيطانية التي ما أنزل الله بها من سلطان، فالحق منحصر في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يخرج عنهما بحال من الأحوال: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا} [آل عمران:103] ، فكل من أحيا سنة، أو تمسك بها، وإن خالف كل الناس فهو معتصم بكتاب الله معتصم بحبل الله، وهذا اعتصام وتمسك ومحبة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما بينّا من قبل أن المحبة تورث المتابعة، فالمتابعة أثر من آثار المحبة، وهذا شيء طبيعي وموجود حتى بين هؤلاء الفسقة وبين من يسمونهم الجماهير، حتى أنهم يقولون: معبود الجماهير! وهي فعلًا عبادة، فغاية المحبة لا تكون إلا بتمام الانقياد والمذلة والخنوع لهذا الذي يحبونه.
فإذا كان هؤلاء حريصين على الاقتداء بآلهتهم الباطلة؛ فنحن أولى بأن نعبد الله سبحانه وتعالى على الطريقة التي شرعها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن نعلم ما حدث منذ زمن قريب لأخينا مدحت وردة حينما تمسك بشيء من الشرع في قضية ستر العورة بارتداء الشورت الطويل، حيث ثار عليه القوم وأخذوا ينالون منه، ولو قال لهم: إنه موضة من الموضات، لقالوا: لا بأس به، لكن أن ينسب هذا إلى الإسلام فهذا الذي يستحق أن يحارب! فلما نسب للإسلام عادوه، أما لو كان مثل لاعبي الكرة في أوروبا أو في غيرها، وفعل ما فعل لرحبوا به واقتدوا به وقلدوه تقليد القردة! أما حينما يمتثل الإنسان أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم فلا يُقبل هذا منه أبدًا بزعمهم.
وأذكر أن بعض الكُتّاب قد كتب في بعض الجرائد قائلًا: منذ سنوات ظهرت موضة أمريكية لبنطلون شورت ينزل تحت الركبة بقليل، وقد كان اسمه (برمودا) مثل مثلث (برمودا) التي كان جنود أمريكا يلبسون فيها هذا الشورت أثناء الحرب، وقد صار هذا البنطلون موضة في الستينات، وكان أولاد الأغنياء يتباهون به، وينظرون نظرات إشفاق إلى الذين يرتدون الشورت العادي، وكان ثمنه غاليًا للغاية، ورغم ذلك كان موضع قبول عند أولاد الأغنياء، كما كان حلم الطبقة الوسطى.
ثم يقول: إذا جاء شاب مصري ولبس هذا البنطلون بدافع الورع، وقال: إن هذا زي يليق بي كمسلم، إن وقع هذا قال الناس: ما هذه السخافة؟! يعني: أنه إن جاءت هذه الألبسة من عند الكفار فإنهم يقتدون بها وينظرون إليها أنها المثل الأعلى، لكن عندما نتمسك نحن بديننا فإننا نلقى هذه الأذية من القوم.