ينظر في حال عنعنة المدلس إلى القرائن الأخرى من استقامة الخبر وغرابته ونكارته وشواهده ومتابعاته، وبابه وموضوعه؛ فإذا وجِد في الخبر نكارة أو غرابة أو مخالفة فهذا قرينة على التدليس، ولذلك تجد أن الأئمة أحيانًا إذا استنكروا شيئًا ردوه بعدم ذكر السماع، أي ردوه بالعنعنة، ولو كان ذلك المعنعِن قليل التدليس جدًا، أو كان مكثرًا جدًا عن شيخه الذي روى عنه ذلك الحديث، فإنهم في حال استنكار الخبر يتطلبون له علة مناسبة، فإن عدموا علة واضحة أو قوية اكتفوا بتعليله بعلة تقدح أحيانًا دون أحيان أخرى، بل ربما ألجأتهم معرفتهم إلى تعليله بعلة يسيرة ليس من عادتهم إعلال الأخبار بمثلها، إذ نكارة الخبر قد تكفي للحمل على تلك العلة وحدها، عند عدم غيرها، رغم وهائها.
لا يلزم أن يكون التدليس بإسقاط راو واحد بل قد يكون بإسقاط أكثر من راو
معروف أن التدليس قد يقع بإسقاط المدلس أكثر من واسطة بينه وبين شيخه كما قال أحمد بن حنبل في المبارك بن فضالة: كان يرسل [عن] الحسن؛ قيل: يدلس؟ قال: نعم؛ قال: (وحدث يومًا عن الحسن بحديث فوُقِف عليه، قال: حدثنيه بعض أصحاب الحديث عن أبي حرب عن يونس) أي عن الحسن.
وبناء على ما تقدم فإنه قد لا يقنع الناقد الفطن بالوقوف على راو واحد بين الراوي المدلس وشيخه في حديث من الأحاديث، لقيام القرينة على قوة احتمال أن تكون الواسطة بينهما أكثر من راو؛ وهذا أمر مهم يدخل في مسألة أحكام متابعة المدلسين والضعفاء لبعضهم في الروايات، وقد يكون مانعًا من تقوية الحديث بمجموع طريقيه أو طرقه؛ ولن أطيل في بيان ذلك، فإنه أمر لا يكاد يفهمه إلا طالب تدبر أصول هذه المسألة وأمعن فيها؛ أو آخر ارتوى من معين علم أئمة العلل.
أنواع أحكام عنعنة المدلس
إن الحديث الذي يعنعنه الراوي الموصوف بالتدليس له أربعة احتمالات: