الصفحة 13 من 36

الذي يُعلم من ظاهر حاله الحرص على الحق وسلامة الدين، اعتنى أهل العلم به اعتناء عظيما، وتكلم فيه وفي آدابه وسلوكه الأئمة الكبار؛ كمالك، والشافعي، وأبي حنيفة وسفيانَ، وابن المُبَارك، وعمرَ بن عبد العزيز وأضرابهم، وسيأتي ذكر بعض عباراتهم التي صارت قواعد لمن أتى بعدهم من الفقهاء، فتوسعوا فيها، وأفردوها بتآليف وبمباحث ضمن كتبهم، وممن أفرد هذه الآداب بمباحث موسعة ضمن كتبهم جماعة من الحفاظ وأعلام الفقه، منهم الحافظ الخطيب البغدادي (ت 463 هـ) في (الفقيه والمتفقه) ، والحافظ ابن عبد البر (ت 463 هـ) في (جامع بيان العلم وفضله) ، والآجُرِّي (محمد بن الحسين البغدادي ت 360 هـ) في (أخلاق العلماء) ، والعلموي في (المعيد في أدب المفيد والمستفيد) وغيرهم ممن كتبوا في آداب الفتوى،كالشيخ ابنِ الصلاح (ت 643 هـ) في (أدب المفتي والمستفتي) ، والشيخ أبي زكرياء النووي (ت 676 هـ) ، في (المجموع) والشيخ أحمد بن حمدان الحراني الحنبلي (ت 695 هـ) في (صفة الفتوى والمفتي والمستفتي) ، والحافظ السيوطي (ت 911 هـ) في (أدب الفتيا) ، والشيخ إبراهيم اللقاني المالكي (ت1041هـ) في (منار أصول الفتوى) .

وكان الخلفاء والحكام يتعاهدون من يتولى مخاطبة الناس باسم الدين، ويتصَفَّحون أحوالهم، بل كان الأمراء يلجؤون أحيانا إلى توحيد الخطاب ولا يقبلون تعدده على خلاف الأصل في أوقات معينة عندما يرون أن كلمة المسلمين لا تجتمع إلا به، وذلك حين يخشى التفرق بتعدده ممن لا يحسنه، عند وجود من يحسنه.

يقول الحافظ البغدادي: كان ينادَى في موسم الحج: لا يُفتِي الناس إلا عطاءُ بن أبي رباح، فإن لم يكن فعبد الله بن أبي نَجيح+ (10) ، وعطاء هذا تابعي من الطبقة الوسطى، مات في أول المائة الثانية، وأعلام الفتوى والاجتهاد يجتمع منهم في الموسم الجم الغفير، ولكن خُصَّ عطاء دونهم لمزيد اعتنائه وشهرته بعلم المناسك، ولئلا يضطرب الخطاب الديني ويختلف الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت