فالمفسِّر قد يذكر في التوجيه الاستدراكات على ما قدّمه من توجيه، أو ما قدّمه غيره ويناقشها، ومن أمثلة ذلك أنَّ ابن كثير ذكر أنَّ الرَّازي في تفسيره حكى عن بعضهم في توجيه وصف الله تعالى للنَّبي - صلى الله عليه وسلم - بالعبودية في المقامات الشريفة: إنَّ مقام العبودية أشرف من مقام الرسالة؛ لكون العبادة تصدر من الخلق إلى الحق، والرسالة من الحق إلى الخلق، قال: ولأنَّ الله يتولى مصالح عبده، والرسول يتولى مصالح أُمَّته، وعقَّب ابن كثير على ذلك فقال:"وهذا القول خطأ، والتوجيه أيضًا ضعيف لا حاصل له" [1] .
وعلى الرغم من تخطئته لهذا القول إلاَّ أنَّه لم يبيِّن الوجه السديد فيه، والظاهر أنَّه يريد أن يقول: إنَّه لا تنافي بين المقامين حتى يقدم وصف العبودية على الرسالة، فإذا كانت الرسالة وصفًا أخص من العبودية؛ إذ العبد قد يكون رسولًا وقد لا يكون؛ فإنَّ غاية الرسول أن يصبح أعظم النَّاس عبوديةً لله تعالى... فيمدح الرسول - صلى الله عليه وسلم - بتلقيبه بهذا الوصف الشريف بعد أن عُلِمَ أنَّ الرسالة قد ثبتت له. كما أنَّ من التوجيهات لذلك عدم الغلو في الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، حتى ينزل في غير منزلته، كما قال القرطبي في سرّ وصفه بالعبودية في أول سورة الإسراء:"قال العلماء: لو كان للنَّبي - صلى الله عليه وسلم - اسم أشرف منه لسمَّاه به في تلك الحالة العلية، وفي معناه أنشدوا:"
يا قوم قلبي عند زهراء ... يعرفه السامع والرائي
لا تدعني إلاَّ بيا عبدها ... فإنَّه أشرف أسمائي
وقال القشيري:"لما رفعه الله تعالى إلى حضرته السنية، وأرقاه فوق الكواكب العلوية، ألزمه اسم العبودية تواضعًا للأُمَّة" [2] .
(1) تفسير ابن كثير، 1/48.
(2) القرطبي؛ أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري: الجامع لأحكام القرآن، 1405 هـ، 1985م، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 10/180، وعزاه القرطبي للقشيري، ونحوه في فتح القدير، 3/295.