والجواب على ذلك ما قاله الزمخشري:"لم يذهب إلى ذلك ـ أي المنع ـ ولكن القوم كانت أكبر همّتهم عاكفة على العمل، وكان التشاغل بشيء من العلم لا يعمل به تكلُّفًا عندهم؛ فأراد أنَّ الآية مسوقة في الامتنان على الإنسان بمطعمه واستدعاء شكره، وقد علم من فحوى الآية أنَّ الأبَّ بعض ما أنبته الله للإنسان متاعًا له أو لأنعامه ؛ فعليك بما هو أهم من النُّهوض بالشكر لله ـ على ما تبيَّن لك ولم يشكل ـ مما عدَّد من نعمه، ولا تتشاغل عنه بطلب معنى (الأبّ) ، ومعرفة النَّبات الخاص الذي هو اسم له، واكتف بالمعرفة الجميلة إلى أنْ يتبيَّن لك في غير هذا الوقت، ثم وصّى النَّاس بأن يجروا على هذا السُّنن فيما أشبه ذلك من مشكلات القرآن" [1] .
فالتوجيه داخل ضمن التدبُّر المأمور به، أمَّا المنهي عنه هنا فهو التكلُّف، أو التشاغل بمعرفة زائدة عن المحتاج إليه عن العمل، أو القول بلا علم كما هو بيِّن من الألفاظ السابقة.
من المؤلَّفات في فن التوجيه:
يشير المفسِّرون غالبًا إلى المواضع التي تحتاج إلى توجيه بعبارة، وتوجيه ذلك، أو هذه من مشكلات القرآن ثم يبيِّنون توجيهها. ومن أكثر التفاسير اهتمامًا بذلك:
[1] تفسير البغوي، والزَّمخشري ومقلديه (البيضاوي، والنَّسفي، وأبي السعود) ، والرَّازي، والألوسي، ومحمد الطاهر بن عاشور.
كما نجد ذلك مبثوثًا في كلام الجويني، والغزالي، وابن تيمية، وابن القيم، وأبي إسحاق الشاطبي في كتبهم.
(1) الكشّاف، 4/187، وراجع كتاب: التنوير مقدمة في أصول التَّفسير للكاتب، ص 214.