فالداخل في الإسلام مثلًا لا يمكن أنْ يؤمر بجميع الشرائع من البداية، لأنَّ فروع الأحكام كثيرة ولا تمكنه طبيعته البشرية من حفظ جميع تفاصيل الأحكام وأدائها على وجهها الأكمل جملة واحدة، فطاقته لا تتحمل أنْ يعرف أحكام الصلاة بفرائضها وسننها ومندوباتها ومكروهاتها، وأحكام الصيام بتفصيلاتها، وكذا باقي الأحكام، ولكن يجب أنْ تعلَّم له تدريجيًا حكمًا بعد حكم، ولا ينقل إلى أخرى إلاَّ إذا أتقن الأولى وعرفها.
وأما إذا كُلِّفَ بها جملة ومرة واحدة فإنَّه لا يستطيع أنْ يحفظها ويؤديها، وإذا لم يستطع ذلك، فإنَّه لا يجب عليه، لأنَّ التكليف إنَّما يكون بالقدرة والاستطاعة فإذا انتفى ذلك انتفى التكليف. وقد فصل ذلك الإمام ابن تيمية في ذلك فقال:"فكذلك المجدِّد لدينه والمحيي لسنته، لا يبلغ إلاَّ ما أمكن علمه والعمل به، كما أنَّ الداخل في الإسلام لا يمكن حين دخوله أنْ يلقن جميع شرائعه ويؤمر بها كلها، وكذلك التائب من الذنوب والمتعلم والمسترشد لا يمكن في أول الأمر أنْ يؤمر بجميع الدين، ويذكر له جميع العلم فإنَّه لا يطيق ذلك، وإذا لم يطقه لم يكن واجبًا عليه في هذه الحال وإذا لم يكن واجبًا لم يكن للعالم والأمير أنْ يوجبه عليه جميعه ابتداء، بل يَعْفُو عن الأمر والنهي بما لا يمكن فعله وعمله إلى وقت الإمكان، كما عَفَا الرسول - صلى الله عليه وسلم - عما عفي عنه إلى وقت بيانه، ولا يكون ذلك من باب إقرار الحرمات وترك الواجبات، لأنَّ الوجوب والتحريم مشروطان بإمكان العلم والعمل، وقد فرضنا انتفاء هذا الشرط" [1] . ...
ولما كانت طبيعة الناس لا تتحمَّل هذه الشرائع جملة، اقتضت الحكمة أنْ يتدرج الداعية والمصلح في تطبيقها، حتى تؤتي دعوته ثمارها، ويعم الصلاح في المجتمع.
التدرُّج التطبيقي في المجتمع
التدرُّج التطبيقي في العصر النبوي:
(1) المرجع السابق نفسه، 20/60.