الصفحة 16 من 32

(غالبه ذلك مقتضاه) يعني أن غالب التكليف أي الأكثر من الأحكام التكليفية مقتضاه ذلك أي التعليل بالمصالح. قال أبو إسحاق الشاطبي في قواعده: وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معًا لما استقرينا منها أنها وضعت لمصالح العباد استقراء لا ينازع فيه الرازي القائل أن أحكامه تعالى ليست بمعلَّلة ألبتة، كما أن أفعاله كذلك قائلا خلافا للمعتزلة وأكثر الفقهاء المتأخرين القائلين أن أحكامه تعالى معلّلة برعاية مصالح العباد، وقد قال تعالى { رسلًا مبشرين ومنذرين ليلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } ، { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } ، { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ، { ليبلوكم أيكم أحسن عملا } .

والمصالح المستجلبة شرعًا والمفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية ودرء مفاسدها العادية { ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن } .

وأما التعليل لتفاصيل الأحكام في الكتاب والسنة فأكثر من أن يؤتى على آخره كقوله تعالى بعد آية الوضوء { ما يريد الله أن يجعل عليكم } إلى قوله { ليتم نعمته عليكم } وقوله { كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون } وقوله { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } وقوله { ولكم في القصاص حياة } .

وفي المفاسِدِ معَ المصالحِ ... - ... دفعًا وجلبًا ميلُهُ للرَّاجِحِ

يعني أن ميل الشرع كائن إلى الراجح من درء المفسدة وجلب المصلحة إذا تعارضا، كما إذا دار الأمر بين إحياء النفس وإتلاف المال عليها، أو إتلافها وإبقاء المال، فإن إحياء النفس أولى لأنه أرجح من إبقاء المال، فيجب شرعًا إتلاف المال لإحيائها. وكما إذا عارض إحياءها إماتة الدين، فإن إحياء الدين أولى وإن أدى إلى إماتة نفوس كثيرة ]و[ كما في المحارب فإن إحياء النفوس الكثيرة يكون أولى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت