ومن خلال ما سبق يتضح ما كان عليه السلف من تدبر للقرآن وحسن فهمه واستحضارهم لمعانيه وخشوعهم عند سماعه وتلاوته فيغلبهم الوجل أو البكاء من غير تكلف ولا تصنع بخلاف أهل البدع الذين يتصارخون عند سماع القرآن، ويتكلفون ما ليس فيهم ويتصنعون الصعق والغشيان عليهم ، وقد بدأ ظهور هذا في زمن الصحابة - رضي الله عنهم - ، قال قتادة في قوله تعالى: { تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ.. } [1] ، قال:"هذا نعت أولياء الله تعالى ، نعتهم الله فقال: تقشعر جلودهم ، وتبكي أعينهم ، وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله تعالى ، ولم ينعتهم الله تعالى بذهاب عقولهم ، والغشيان عليهم ، إنما هذا في أهل البدع ، وإنما هو من الشيطان"، وعن عبد الله بن عروة بن الزبير - رضي الله عنه - ، قال:"قلت لجدتي أسماء - رضي الله عنها - كيف كان يصنع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قرأوا القرآن ؟ قالت: كانوا كما نعتهم الله - عز وجل -: تدمع أعينهم، وتقشعر جلودهم، قلت: فإن ناسًا ههنا إذا سمعوا ذلك تأخذهم غَشْية ؟ ، فقالت: أعوذ بالله من الشيطان". [2]
وأما الأحاديث الواردة في الأمر بالتباكي فهي ضعيفة من جهة أسانيدها، ومنها: ما أخرجه ابن ماجه من حديث سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ - رضي الله عنه - قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:"إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ نَزَلَ بِحُزْنٍ فَإِذَا قَرَأْتُمُوهُ فَابْكُوا فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا وَتَغَنَّوْا بِهِ فَمَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِهِ فَلَيْسَ مِنَّا" [3] ففي إسناده إسماعيل بن رافع وهو متروك .
(1) - سورة الزمر الآية: 23
(2) - أخرجه سعيد بن منصور في سننه ( 2/331 )
(3) - أخرجه ابن ماجه ح ( 1327 )