والذي يدل على ذلك أن الذين تكلموا عن الاحتجاج بالشعر العربي احترسوا ممن تأثر بالعجمة في بيئتها المكانية فالبيئة التي ينتشر فيها كلام العجم كان لعلماء اللغة موقف منها، فهذا ابن جني يقول تحت باب في ترك الأخذ عن أهل المدر كما أُخِذ عن أهل الوبر: (علة امتناع ذلك ما عرض لِلُغات الحاضرة وأهل المدر من الاختلال والفساد والخطل، ولو عُلِم أن أهل مدينة باقون على فصاحتهم، ولم يعترض شيء من الفساد للغتهم لوجب الأخذ عنهم كما يؤخذ عن أهل الوبر) [1] .
فالبعد عن السليقة العربية مرهون بفساد هذه السليقة، ولا يؤثر شيء على السليقة مثل البيئة، حتى أن أطراف الجزيرة العربية التي تتأثر بالأعاجم لابد أن تفسد فيها السليقة العربية بسبب الاتصال بالأعاجم، يقول أبو نصر الفارابي في كتابه الألفاظ والحروف(..وبالجملة فإنه لم يؤخذ عن حضريّ قط، ولا عن سكان البراري ممن كان يسكن أطراف بلادهم التي تجاور سائر الأمم الذين حولهم.
فإنه لم يؤخذ لا من لخم ولا من جذام، فإنهم كانوا مجاورين لأهل مصر والقبط، ولا من قضاعة ولا من غسان ولا من إياد، فإنهم كانوا مجاورين لأهل الشام، وأكثرهم نصارى يقرؤون في صلاتهم بغير العربية، ولا من بكر لأنهم كانوا مجاورين للنبط والفرس ولا من عبد القيس لأنهم كانوا سكان البحرين مخالطين للهند والفرس) [2] .
(1) الخصائص لابن جني (2/6) .
(2) انظر: الاقتراح في علم أصول النحو للسيوطي (ص 56/57) .