وقوله تعالى: { يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا } هذا من مقولة فرعون لوزيره هامان يأمره أن يبني له قصرًا منيفًا عاليًا { لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ } أي: طرق السموات أو أبوابها { فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى } بنصب { فَأَطَّلِعَ } بأن مضمرة بعد فاء السببية، ومعنى مقالته هذه تكذيب موسى ـ عليه السلام ـ في أن الله أرسله، أو أن إلهًا في السماء . ولذلك قال: { وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا } أي: فيما يدعيه من الرسالة أو فيما يدعيه بأن له إلها في السماء والشاهد من الآية: أن فيها إثبات علو الله على خلقه، حيث أن موسى ـ عليه السلام ـ أخبر بذلك وحاول فرعون في تكذيبه .
وقوله تعالى: { أَأَمِنتُم } الآمن: ضد الخوف { مَّن فِي السَّمَاء } أي: عقوبة من في السماء وهو الله سبحانه، ومعنى { فِي السَّمَاء } أي على السماء، كقوله تعالى: { وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ } وهذا إن أريد بالسماء السماء المبنية، وإن أريد بالسماء مطلق العلو ففي للظرفية، أي: في العلو . { أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ } أي: يقلعها بكم كما فعل بقارون { فإذا هي تمور } أي: تضطرب وتتحرك .
{ أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا } أي: حجارة من السماء كما أرسلها على قوم لوط وأصحاب الفيل . وقيل: سحاب فيها حجارة، وقيل: ريح فيها حجارة { فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ } أي: إنذاري إذا عاينتم العذاب ولا ينفعكم حينذاك هذا العلم .
والشاهد من الآيتين: أن فيهما إثبات علو الله على خلقه حيث صرحنا أنه سبحانه في السماء، فقد دلت هذه الآيات التي ذكرها المؤلف ـ رحمة الله عليه ـ على إثبات العلو . كما دلت هذه الآيات التي قبلها على إثبات استواء الله على العرش . والفرق بين الاستواء والعلو: