فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 598

الكفر (الزّمر/7) . وقال محذرًا من يظنون أنه لا ذنب لهم فيما يقترفون من الشرور { أفنجعل المسلين كالمجرمين. مالكم كيف تحكمون } (القلم/35 -36) . جاء في الحديث الشريف [يقول الله تعالى: يا ابن آدم بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء، وبإرادتي كنت أنت الذي تريد لنفسك ما تريد، وبفضل نعمتي عليك قويت على معصيتي، وبعصمتي وتوفيقي وعوني وعافيتي أديت إلي فرائضي، فأنا أولى بإحسانك منك، وأنت أولى بذنبك مني. فالخير مني إليك بدا، والشر مني إليك بما جنيت جرى، ورضيت منك لنفسي ما رضيت لنفسك مني] (كنز العمال-43615/ج15) . إن شريعة العدل التي تعرفها الإنسانية والتي لا تقبل المساواة بين الظالم والمظلوم هي من بعض علم الله المبثوث في آدم وذريته، فعلومنا كلها من الصانع، وبعلمه عرفنا الخير والشر. وبقدرته أعطانا القدرة على العمل بما نريد، أي الحرية، ولكن هذه الحرية كما بيَّنا محدودة، بحيث لا تتعارض مع مشيئة الله. فالصانع له المشيئة المطلقة والإنسان له مشيئة محدودة، وفي حدود هذه المشيئة سيتمايز الناس بأعمالهم، وسيكون الحكم عليهم مبررًا، حيث سيحكم عليهم بحسب النوايا والأعمال، وبحسب سجلاتهم المدوّنة حيث سينطق كل شيء في الإنسان ليشهد له أو عليه. لقد اخترع الإنسان اليوم آلات التسجيل والتصوير والتجسس التي يستطيع أن يدوّن في قطعة منها بحجم ورقة كتاب صغير آلاف المعلومات. وإن العاقل يدرك بالبديهة أن من صنعه أعلم منه، وأن كل علومه وعلوم البشر والمخلوقات كلها ما هي إلا من صنع صانع واحد. فإذا كان الإنسان قد توصل إلى هذا المستوى من التوثيق والتدوين والاختصار، أليس من باب أولى أن تكون قدرة الصانع أكبر، ونحن نشاهد كيف سبقنا الصانع إلى مثل هذا الاختصار، بوضع سر الشجرة في بذرة، وسر تكوين الإنسان في خلية لا ترى إلا بالمجهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت