فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 598

الاحتمال الثاني: لا يصح لأن الإيجاد من العدم هو إيجاد مما لا وجود له فهل يصح الإيجاد مما لا وجود له؟. وهذا يحيلنا إلى حوار الفلاسفة الذين طرحوا السؤال هل الفكر سبق المادة أم المادة سبقت الفكر، أو أيهما سبق الآخر في الوجود البيضة أم الدجاجة. وظل الفلاسفة في أخذ ورد إلى وقتنا الحاضر بين المثاليين الذين بدا لهم أن الفكر أو الصانع هو الذي أوجد المادة، بينما ردّ الماديون بأن المادة سبقت الفكر وإن الفكر انبثق منها. فجعلوا المادة صانعة للعقل وصانعة للإنسان. وقد أخطأ هؤلاء وهؤلاء. وإذا كانت البداهة تدلّنا بأن الفكر هو أثر من آثار المادة فهذا لا يعني السبق في الوجود. إذ المادة والفكر متلازمان ولا يمكن لأحدهما أن يسبق الآخر، ولكن كما نعرف من حالتنا الإنسانية، ومن مراقبتنا لعالم الكائنات الحيّة كلها، ندرك بأن العقل هو الذي يحكم المادة، ويتحكّم بها. فعقلنا هو الذي يحكم أجسامنا ويتحكّم في تصرفاتنا، وهذا العقل كان كامنًا منذ اللحظة الأولى في خليتنا الأولى، بل قبل ذلك. كما هو شأن حواسنا والباقي من أعضائنا. كما إن لمادة الجسد برنامجها الخاص الذي لا دور للعقل في السيطرة عليه أو التأثير فيه، فنبضات القلب وعمل أعضاء الجسم أثناء اليقظة والنوم ليس للعقل أي دور فيه أو سلطة عليه. إن العقل يقوم بدور المرشد والمسيطر على تصرفات الجسد ويرد على رسائل الغرائز ولكنه لا يملك التأثير إلا نسبيًا في برنامج عمل الأعضاء. وهكذا يتبين أن المادة والعقل يتعاونان منذ اللحظة الأولى في وجود كل كائن حي. وسوف نبين دور العقل والغرائز أو المادة الجسدية في كل مرحلة في فصل خاص بالموضوع. ولكن ما نعرفه هو، أن المادة لم تخلق العقل، بمعنى أنها سابقة له في الوجود، إذ لا يمكن مشاهدة البيضة خالية من روح الدجاجة، ولا البذرة خالية من برنامج الشجرة وروحها، إذ هما متلازمان. كما لا يمكن رؤية الكون منفصلًا عن عقل المكوِّن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت