فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 80

الْكَامِلُ ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى لِزَكَرِيَّا: { آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا } ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إلَيْهِمْ } "فَالْإِيحَاءُ"لَيْسَ بِتَكْلِيمِ وَلَا يُنَاقِضُ الْكَلَامَ وقَوْله تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: { أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلَّا رَمْزًا } إنْ جُعِلَ مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ مُنْقَطِعًا اتَّفَقَ مَعْنَى التَّكْلِيمِ فِي الْآيَتَيْنِ وَإِنْ جُعِلَ مُتَّصِلًا كَانَ التَّكْلِيمُ مِثْلَ التَّكْلِيمِ فِي سُورَةِ الشُّورَى وَهُوَ التَّكْلِيمُ الْعَامُّ ؛ وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ إنَّمَا كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيمًا خَاصًّا كَامِلًا بِقَوْلِهِ: { مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ } مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْجَمِيعَ أَوْحَى إلَيْهِمْ وَكَلَّمَهُمْ التَّكْلِيمَ الْعَامَّ وَبِأَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ تَكْلِيمِهِ وَبَيْنَ الْإِيحَاءِ إلَى النَّبِيِّينَ وَكَذَا التَّكْلِيمُ بِالْمَصْدَرِ وَبِأَنَّهُ جَعَلَ التَّكْلِيمَ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ قِسْمًا غَيْرَ إيحَائِهِ وَبِمَا تَوَاتَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ مِنْ تَكْلِيمِهِ الْخَاصِّ لِمُوسَى مِنْهُ إلَيْهِ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ كَلَّمَهُ بِصَوْتِ سَمِعَهُ مُوسَى كَمَا جَاءَتْ الْآثَارُ بِذَلِكَ عَنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا مُوَافَقَةً لَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ . وَغَلِطَتْ هُنَا"الطَّائِفَةُ الثَّالِثَةُ"الكلابية . فَاعْتَقَدَتْ أَنَّهُ إنَّمَا أَوْحَى إلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعْنًى مُجَرَّدًا عَنْ صَوْتٍ . وَاخْتَلَفَتْ هَلْ يَسْمَعُ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ يَسْمَعُ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِلَطِيفَةِ خَلَقَهَا فِيهِ قَالُوا: إنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالشَّمَّ وَالذَّوْقَ وَاللَّمْسَ مَعَانٍ تَتَعَلَّقُ بِكُلِّ مَوْجُودٍ كَمَا قَالَ ذَلِكَ الْأَشْعَرِيُّ وَطَائِفَةٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَمْ يَسْمَعْ مُوسَى كَلَامَ اللَّهِ فَإِنَّهُ عِنْدَهُ مَعْنًى وَالْمَعْنَى لَا يُسْمَعُ كَمَا قَالَ ذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَطَائِفَةٌ . وَهَذَا الَّذِي أَثْبَتُوهُ فِي جِنْسِ الْوَحْيِ الْعَامِّ الَّذِي فَرَّقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَكْلِيمِهِ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ حَيْثُ قَالَ: { إنَّا أَوْحَيْنَا إلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ } إلَى قَوْلِهِ: { وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا } وَفَرَّقَ بَيْنَ إيحَائِهِ وَبَيْنَ تَكْلِيمِهِ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ حَيْثُ قَالَ: { إلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ } وَحَيْثُ فَرَّقَ بَيْنَ الرَّسُولِ الْمُكَلَّمِ وَغَيْرِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: { مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ } . لَكِنَّ هَؤُلَاءِ يُثْبِتُونَ أَنَّ لِلَّهِ كَلَامًا هُوَ مَعْنًى قَائِمٌ بِنَفْسِهِ هُوَ مُتَكَلِّمٌ بِهِ وَبِهَذَا صَارُوا خَيْرًا مِمَّنْ لَا يُثْبِتُ لَهُ كَلَامًا إلَّا مَا أَوْحَى فِي نَفْسِ النَّبِيِّ مِنْ الْمَعْنَى ؛ أَوْ مَا سَمِعَهُ مِنْ الصَّوْتِ الْمُحْدَثِ وَلَكِنْ لِفَرْطِ رَدِّهِمْ عَلَى هَؤُلَاءِ زَعَمُوا: أَنَّهُ لَا يَكُونُ كَلَامًا لِلَّهِ بِحَالِ إلَّا مَا قَامَ بِهِ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَقُومُ بِهِ إلَّا الْمَعْنَى . فَأَنْكَرُوا أَنْ تَكُونَ الْحُرُوفُ كَلَامَ اللَّهِ وَأَنْ يَكُونَ الْقُرْآنُ الْعَرَبِيُّ كَلَامَ اللَّهِ . وَجَاءَتْ"الطَّائِفَةُ الرَّابِعَةُ"فَرَدُّوا عَلَى هَؤُلَاءِ دَعْوَاهُمْ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ مُجَرَّدَ الْمَعْنَى فَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْكَلَامَ لَيْسَ إلَّا الْحَرْفَ أَوْ الصَّوْتَ فَقَطْ وَإِنَّ الْمَعَانِيَ الْمُجَرَّدَةَ لَا تُسَمَّى كَلَامًا أَصْلًا ؛ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ؛ بَلْ الْكَلَامُ الْمُطْلَقُ اسْمٌ لِلْمَعَانِي وَالْحُرُوفِ جَمِيعًا وَقَدْ يُسَمَّى أَحَدُهُمَا كَلَامًا مَعَ التَّقْيِيدِ كَمَا يَقُولُ النُّحَاةُ:"الْكَلَامُ"اسْمٌ وَفِعْلٌ وَحَرْفٌ . فَالْمَقْسُومُ هُنَا اللَّفْظُ وَكَمَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: مَا زَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ يَعُودُونَ بِالتَّكَلُّمِ عَلَى التَّفَكُّرِ وَبِالتَّفَكُّرِ عَلَى التَّدَبُّرِ ويناطقون الْقُلُوبَ حَتَّى نَطَقَتْ . وَكَمَا قَالَ الجنيد:"التَّوْحِيدُ"قَوْلُ الْقَلْبِ"وَالتَّوَكُّلُ"عَمَلُ الْقَلْبِ . فَجَعَلُوا لِلْقَلْبِ نُطْقًا وَقُوَّةً كَمَا جَعَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلنَّفْسِ حَدِيثًا فِي قَوْلِهِ: إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت