الصفحة 2 من 12

الركيزة الثانية: مما لا ريب فيه أن الأسلاف الأول أرسخ في العلم قدمًا، وَأَسَدُّ فهمًا ممن أتى بعدهم، هذا في العلوم المشتركة بين السابق واللاحق، وأصل ذلك: التجربة والخبر .

ـ أما التجربة، فهو أمر مشاهد في أي علم كان، فالمتأخر لا يبلغ من الرسوخ ـ في علمٍ ما ـ ما بلغه المتقدم، وحسبك من ذلك أهل كل علم عملي أو نظري ، فأعمال المتقدمين في إصلاح دنياهم ودينهم على خلاف أعمال المتأخرين، وعلومهم في التحقيق أقعد، فتحقق الصحابة بعلوم الشريعة ليس كتحقق التابعين، والتابعون ليسوا كتابعيهم، وهكذا إلى الآن ، ومن طالع سيرهم وأقوالهم رأى العجب في هذا المعنى .

ـ وأما الخبر ، ففي الحديث:"خيرُ القرونِ قرني، ثمَّ الذين يلونَهم، ثم الذين يلونَهم"، وفي هذا إشارة إلى أن كل قرن مع ما بعده كذلك (3) .

فابقِ الأولوية لكتب الأوائل الأقدمين؛ قراءةً وفهمًا وحفظًا، ولا يُغْتَر بما يُرى للمتأخرين من كثرة كلام في كراريسهم ومكتوبهم؛ حيث فتن كثير من المتأخرين بهذا، فظنوا أن من كثر كلامه وجداله وخصامه في مسائل الدين ، فهو أعلم ممن ليس كذلك ، وهذا جهل محض .

وانظر إلى أكابر الصحابة وعلمائهم؛ كأبي بكر وعمر وعلي ومعاذ وابن مسعود وزيد بن ثابت، كيف كانوا ؟ ، كلامهم أقل من كلام ابن عباس، وهم أعلم منه ، وكذلك كلام التابعين أكثر من كلام الصحابة، والصحابة أعلم منهم، وكذلك تابعوا التابعين: كلامهم أكثر من كلام التابعين، والتابعون أعلم منهم، فليس العلم بكثرة الرواية، ولا بكثرة المقال، ولكنه نور يقذف في القلب، يفهم به العبد الحق، ويميز به بينه وبين الباطل، ويعبر عن ذلك بعبارات وجيزة محصلة للمقاصد (4) .

ومع هذا التفضيل الإجمالي للأولين فإن الثَّقِف مَن يُفِيد من رُقُم الآخرِين، في توضيح مسألة ، وإلحاق فرع بأصل ، ونحوهما .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت