ومما يحسن التنبه له في هذا المقام أن الله (سبحانه وتعالى) أمرنا باتباع إبراهيم (عليه السلام) فمن اتباع ملته سلوك طريقه في دعوته، وبالأخص مع الآباء بطريق العلم والحكمة، واللين والسهولة، والانتقال من رتبة إلى رتبة، والصبر على ذلك وعدم السآمة منه، والصبر على ما ينال الداعي من أذى المدعو بالقول والفعل، ومقابلة ذلك بالصفح والعفو، بل بالإحسان القولي والفعلي [1] .
ومن التأسي بإبراهيم (عليه السلام) البراءة من المشركين، كما كانت حاله ومن معه من المؤمنين. ولكن هناك أمر استثني من الاتباع، وهو استغفار إبراهيم (عليه السلام) لأبيه، فقد قال الله (سبحانه وتعالى) في هذا الشأن: { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ } [الممتحنة: 4] ، أي لكم في إبراهيم (عليه السلام) وقومه أسوة حسنة، تتأسون بها، إلا في استغفار إبراهيم (عليه السلام) لأبيه، فإنه إنما كان عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه [2] .
الدروس المستفادة
من الأمور المهمة أن يستفيد الداعية المعاصر من هذا الأنموذج الدعوي، ولعل هذه الاستفادة تتمثل بالنقاط الآتية:-
(1) انظر: السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان 5/113.
(2) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم 4/349 .