وقد أنزل الله على موسى وكل رسول هذه الوصايا العشر, التي افتتحت بتوحيد الله: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [الأنعام:151] أن يوحد الله, ويُعبد وحده لا شريك له، واختتمت بالتحذير من البدعة ومن الابتداع والإحداث في الدين.
وما أكثر ما ابتدع اليهود والنصارى, وهو واقع في هذه الأمة،وقد قال تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام:153] { فلما قرأ ذلك، قالا: نشهد أنك نبي، وأرادا أن ينصرفا } وهذا هو الشاهد، فهل نفعتهم هذه الشهادة؟
فهم عندهم يقين, وصدق وإقرار أنه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لكن لا يلزم من ذلك الإيمان والاتباع.
فقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { ما يمنعكما أن تتبعاني -أن تتبعا ما جئت به من الحق-؟ قالا: إن الله قد أخذ علينا العهد أن لا يزال من ذرية داود نبي } أي: أنت من ذرية إسماعيل، والله تعالى قد أخبرنا وأعطانا أنه لا يزال من ذرية داود نبي، فكونك من بني إسماعيل يجعلنا نكفر برسالتك، وإلا فأنت نبي، ولو كنت من آل داود لآمنا بك، سبحان الله!
فالقضية عندهم قضية نسب وعنصرية، وكما زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه, وأنهم شعب الله المختار، أي: إن كان جاءنا الداعية من بني فلان قبلناه, وإن كان من بني فلان لم نقبله، نعوذ بالله! إن كانت الفتوى جاءت من المكان الفلاني قبلنا، وإن كانت من فلان فلا، فهذه عنصرية وجاهلية. فالحق يقبل والحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها فهو أحق بها، لكنه الحسد الذي أخذ بالقلوب, وقد كفروا بما أنزل الله تبارك وتعالى على داود وعيسى وموسى, وعلى من جاء من ذرية داود, والسبب هو الكبر والعناد والحسد.