أولًا: السابقون -وإن كانت الآية قدمت أصحاب اليمين- وهم الذين لم يلبسوا إيمانهم بظلم، أي: لم يخلطوا إيمانهم بشرك ولا بالذنوب والمعاصي، فالسابق هو الذي يتقرب إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بالنوافل بعد الفرائض، وهذا التفسير هو أحد المعاني للسابق وهو أجلاها، فهو كما قال الله تبارك وتعالى في الحديث القدسي: {من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه } فأعظم شيء نتقرب به إلى الله هو فرائض الله، وبعد ذلك: {ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه } فالذين يأتون بالنوافل: كذكر الله، والصدقات، والصلوات، والجهاد النافلة، والإنفاق في فعل الخيرات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر النافلة، وقد أتى بما عليه من الواجبات، ولكنه يتطوع بهذا، فمن يأتي بالنوافل، ويجتنب الشبهات، ويتورع عن الحرام، فهو قد أتى بدرجة أعلى من درجة الالتزام بالحلال والحرام والواجب والمنهي عنه.
إذًا هؤلاء هم السابقون.
الدرجة الثانية: المقتصد
ثانيًا: المقتصد: وهو وسط، ليس من الظالمين لأنفسهم، ولا من السابقين بالخيرات.
والمقتصد هو: الذي يأتي بالواجبات، ويجتنب المحرمات، لكن لا يزيد على ذلك بالنوافل، ولا يجتنب المكروهات التي إن تركها العبد فهو مأجور، وإن فعلها فهو غير آثم، فهذا درجة أقل، فهو إنسان مقتصد يعمل الطاعات، ويؤدي فرائض الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ويقوم بما أمر الله، لكن لا يسابق ولا يسارع بالخيرات.
ففرق بين إنسان يؤذن المؤذن فيكف عن عمله الذي بيده ويأتي إلى بيت الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فهو إنسان إذا سمع ذكر الله جاء إليه من أي مكان، وسابق إليه، وزاحم بالركب، ليستمع ذكر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وليسارع بالخيرات، وهذا هو السابق، وبين من يؤدي ما افترضه الله عليه ويكتفي به، وما عدا ذلك يتركه للسابقين، فهذا هو المقتصد.
الدرجة الثالثة: الظالم لنفسه