في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى على امرأة تبكي على صبي لها، فقال لها: اتقي الله واصبري، فقالت: وما تبالي بمصيبتي، فلما ذهب قيل لها: إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذها مثل الموت فأتت بابه فلم تجد على بابه بوابين، فقالت: يا رسول الله لم أعرفك، فقال صلى الله عليه وسلم: (إنما الصبر عند أول صدمة) [1] وفي رواية (عند الصدمة الأولى) وقوله الصبر عند الصدمة الأولى مثل قوله: (ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه وقت الغضب) [2] فإن المصيبة إذا أتت بغتة لها روعة تزعزع القلب وتزعجه بصدمها، فإن صبر للصدمة الأولى وانكسر حدها وضعفت قوتها فهان عليه استدامة الصبر، وأيضًا فإن المصيبة ترد على القلب وهو غير موطن لها فتزعجه وهي الصدمة الأولى، وأما إذا وردت عليه بعد ذلك توطن لها وعلم أنه لا بد لها منها فيصبح صبره شبيه الاضطرار، وهذه المرأة لما علمت أن جزعها لا يجدي عليها شيئًا جاءت تعتذر إلى النبي صلى الله عليه وسلم كأنها تقول: قد صبرت، فأخبرها أن الصبر إنما هو عند الصدمة الأولى.
(1) رواه البخاري، كتاب الأحكام، باب ما ذكر أن النبي لم يكن له بواب (13/142) وفي الجنائز، باب الصبر عند الصدمة الأولى (3/205) وباب زيارة القبور (3/177) ومسلم كتاب الجنائز، باب في الصبر على المصيبة عند الصدمة الأولى رقم (14، 15) .
(2) رواه البخاري، في الأدب المفرد، باب الحذر من الغضب (10/535) ومسلم في البر والصلة، باب فضل من يملك نفسه عند الغضب رقم (107، 108) .