الصفحة 32 من 45

وذهب الحنفيّة إلى أنَّه يُقْتَل به، ولم يخصصوا عموماتها بخبر الآحاد المذكور؛ بل عمدوا إلى تأويلها بأنَّ المراد بالكافر الحربيّ فقط [1] . واستدلوا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا يُقْتَل مؤمنٌ بكافرٍ، ولا ذو عهدٍ في عهده) .

والاستدلال منه: أنَّ قوله (ذو عهدٍ في عهده) معطوف على قوله (مؤمن) ، ففيه إضمار، تقديره: (ولا ذو عهد في عهده بكافر) ، كما في المعطوف عليه، ويكون (الكافر) الذي لا يُقْتَل به المؤمن هو الكافر الحربيّ خاصّة؛ لأنه لم يبق من الكفار إلاَّ الحربيّ، فيكون التَّقدير: لا يُقْتَل مؤمنٌ بكافرٍ حربيّ، ولا ذو عهدٍ في عهده بكافر حربيّ [2] .

المسألة الثَّالثة: جاحد خبر الآحاد:

اختلف العلماء في تكفير مَنْ يجحد ما يثبت بخبر الآحاد على رأيين:

الرَّأْي الأوَّل: أنَّ مَنْ أنكر وجحد ما ثبت بخبر الآحاد لا يكفر، وإليه ذهب أكثر العلماء [3] .

والرَّأْي الثَّاني: يكفر منكره. وهما وجهان حكاهما ابن حامد عن أصحابه الحنابلة، ونقل تكفيره عن إسحاق ابن راهويه [4] ، وقريب من ذلك جاء في"العدة"لأبي يعلى.

والخلاف مبنيٌّ على أساس أنَّ الأخبار النَّبويّة هل يجري عليها ما يجري على غيرها، ويدخلها الصِّدق والكذب، أم أنَّها تتميَّز بأمور يقينيّة تنفي عنها هذه الاحتمالات، وتفيد العلم الضَّروريّ؟

فمَنْ يرى أنَّها تفيد العلم الضَّروريّ، قال بوجوب التَّصديق بها، ويكفر من أنكرها [5] .

ومَنْ يرى أنَّها لا تفيد علمًا ضروريًّا، إنَّما تفيد الظَّنّ، فلا يكفر من أنكرها.

(1) السرخسي: المبسوط، 26/135، وابن جزي: القوانين الفقهية، 1/227.

(2) المرجعان السابقان نفسهما والصفحة.

(3) ابن تيمية: المسودة، ص244-245، وابن النجار: شرح الكوكب المنير، 2/352.

(4) أبو يعلى: العدة، 3/857-861، وابن النجار: شرح الكوكب المنير، 2/352.

(5) ابن النجار: شرح الكوكب المنير، 2/352-353، والزركشي: البحر المحيط، 4/266.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت