والمقصود أنّ هذه المسألة وهي حكم مرتكب الكبيرة من أهمّ المسائل وأخطرها؛ لأن الخلاف فيها بين فرق الأمّة قديمٌ ومتشعّبٌ، والكلام فيها متفرّعٌ عن مسألة الإيمان التي هي لبّ هذا الدِّين وأصله، ولا زالت الأمّة تعانِي من آثار الانحراف في فهم هذه المسألة بسبب تسرّب هذه المفاهيم الخاطئة إلى بعض أفراد هذه الأمّة عن طريق دعاة الضّلال حتّى راج فكر الإرجاء وخرجت مبادئ الخوارج في قوالبَ جديدةٍ وتحت ستورٍ مزيَّفةٍ في تاريخ الأمّة المعاصر.
لذا، رأيتُ مِنْ واجب النّصح للأمّة دراسة هذه المسألة في بحثٍ لطيفٍ مختصرٍ يتضمّن بيان معتقد أهل السّنة، ومعتقد الطّوائف المخالفة في هذه المسألة الدّقيقة، ببيان الأصل الذي عليه مدار كلّ مقالة وتجلية وجه مخالفة أهل السّنة للمقالات الباطلة في هذا الباب.
لمحة موجزة عن حقيقة الإيمان عند أهل السنة والفرق المخالفة
اختلف الناس في حقيقة الإيمان الشرعي على أقوال:
يعتقد أهل السنة أن الإيمان اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح. يقول الإمام أحمد: (الإيمان قول، وعمل، يزيد وينقص) [1] .
ويقول أبو بكر الآجري في ترجمته لباب الإيمان من كتاب الشريعة: (باب القول بأن الإيمان تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح، ولا يكون مؤمنًا إلاّ بأن تجتمع فيه هذه الخصال الثلاث) [2] .
(1) السنة للإمام عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق محمد سعيد القحطاني، ط الأولى، دار ابن القيم (1/307) .
(2) كتاب الشريعة للإمام أبي بكر محمد الحسين الآجري، تحقيق عبد الله بن عمر الدميجي، ط الأولى 1418هـ دار الوطن (2/611) .