فوافق المرجئة الوعيدية في أصل شبهتهم وهو دعوى أنّ الإيمان شيء واحد لا يتجزأ. ثم خالفوهم في النتيجة فالوعيدية اعتقدوا زواله بالكليّة بزوال بعضه فكفّروا أصحاب الذنوب، والمرجئة اعتقدوا بقاءه كلّه ببقاء أصله فحكموا في أصحاب الذّنوب بأنّهم مؤمنون كاملو الإيمان. ثم إنّ المرجئة مع مشاركتهم بقية الفرق في أصل هذه الشبهة العامة أخطأوا في بعض الأصول الأخرى التي ترتبت عليها عقيدتهم في حكم مرتكب الكبيرة. يقول شيخ الإسلام:(وهؤلاء غلطوا في أصلين:
أحدهما: ظنّهم أنّ الإيمان مجرد تصديق وعلم فقط، ليس معه عمل وحال، وحركة وإرادة، ومحبة، وخشية في القلب، وهذا من أعظم غلط المرجئة مطلقًا.
الثّّاني: ظنّهم أنّ كلّ مَن حكم الشّارع بأنّه كافر مخلّد في النّار، فإنّّما ذاك لأنّه لم يكن في قلبه شيء من العلم والتصديق، وهذا أمر خالفوا به الحسّ والعقل الشّرع، وما أجمع عليه طوائف بني آدم السليمي الفطرة وجماهير النّظار؛ فإن الإنسان قد يعرف أنّ الحقّ مع غيره ومع هذا يجحد ذلك لحسده إيّاه أو لطلب علوّه عليه، أو لهوى النفس، ويحمله ذلك الهوى على أن يعتدي عليه ويردّ ما يقول بكلّ طريق) [1] .
فبناء على هذين الأصلين نشأ معتقدهم في حكم مرتكب الكبيرة. فعن الأصل الأوّل نشأ قولهم في مسمّاه حيث سمّوه مؤمنًا كامل الإيمان. وذلك لظنّهم أنّ الإيمان هو مجرد التصديق، وأنّ أعمال الجوارح من الطّاعات، والمعاصي لا أثر لها على الإيمان مطلقًا لكونها خارجة عنه.
وعن الأصل الثّّاني نشأ قولهم في حكمه في الآخرة، وأنّه في الجنّة كما هو قول جمهورهم؛ وذلك لظنّهم أنّه لا يعذّب إلاّ مَن خلا قلبُهُ مِن التّصديق، وعرفوا من حال عصاة المسلمين أنّهم ليسوا كذلك، بل هم مصدّقون بما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: هم إذن من أهل الجنّة. وأما موفقهم من الوعد والوعيد، فإنّهم يقولون بإنفاذ الوعد والوعيد.
(1) مجموع الفتاوى 7/190، 191.