الصفحة 7 من 13

والدليل الثاني للجمهور من النظر: وهو أن المتمتع إنما وجب عليه الدم بالترفه بترك أحد السفرين، فإذا لم يترفَّه بترك أحد السفرين، وخرج من مكة بسفر، ثم عاد إليها، سقط عنه الدم ولم يصر متمتعًا.

مناقشة الأدلة: بالتأمل في هذين الدليلين يتبين ضعفهما وعدم صلاحيتهما للاستدلال وبناء هذا الحكم عليهما، وذلك لما يلي:

أما الدليل الأول؛ فعمدته قول عمر رضي الله عنه، وسنده ضعيف، فإنه من رواية وكيع عن عبدالله بن عمر بن حفص العمري عن نافع عن ابن عمر عن عمر رضي الله عنه. وهذا إسنادٌ ضعيف؛ لضعف العمري؛ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ. وقال الزيلعي في نصب الراية: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ ضَعَّفَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ؛ مِنْهُمْ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ. وقال العراقي في طرح التثريب: قَالَ النَّسَائِيّ: ضَعِيفٌ. وضعفه الحافظ ابن حجر في التلخيص.

فبطل الاستدلال بقول هذا الصحابي رضي الله عنه، وأما الآثار الأخرى فهي لصحابة لم ينصّ النبي صلى الله عليه وسلم على وجوب اتباعهم كالخلفاء الأربعة رضي الله عنهم، وتعارضها اجتهادات أخر لصحابة آخرين رضي الله عنهم جميعًا - وستأتي-.

فبقي هذا الحكم معتمدًا على القياس والنظر، وهو منقوض بأمور:

الأول: أن تعليل إيجاب الدم في التمتُّع بأنه بسبب الترفه بترك أحد السفرين لا نصّ عليه، وإنما هو اجتهاد، يعارضه أن يقال: إن الله تعالى شرع حج التمتع وأوجب فيه الدم، بقوله سبحانه (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) ولم يعلل الشارع الحكيم هذا الحكم، ولم يصح في تعليله شيءٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوجب أن يكون علة إيجاب الدم في التمتع هو النسك بذاته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت