الصفحة 8 من 13

والثاني: أن الترفُّه بترك السفر كان صحيحًا في الأزمنة السابقة التي يشق فيها السفر، وهو صحيح اليوم في حق بعض الناس الذين يشق عليهم السفر إلى بلادهم البعيدة، أما اليوم وقد سهل السفر كثيرًا وانتفت المشقة فيه فلا يعدّ ترك السفر نوع من الترفُّه مطلقًا، بل إن الترفُّه في العودة إلى البلد عند بعض الناس أظهر وآكد من الترفُّه بالمكث في مكة. فصار هذا التعليل ساقطًا بعدم استطراده لكل الحجاج، وتعليل الحكم لا يكون صحيحًا حتى ينطبق على كل حاج؛ لأن التشريع لكل حاجّ، والتمتُّع صالح لكل حاجّ، فوجب أن يكون تعليل اشتراط الدم صالحًا للجميع، وإلا سقط اشتراطه.

والثالث: تعليل بعض المذاهب بأن علة دم التمتع هي أَنَّهُ قَدْ حَصَلَ لَهُ إلْمَامٌ بِأَهْلِهِ بَعْدَ الْعُمْرَةِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ مَكَّةَ، ضعيف، وينقضه أمران:

الأول: أن القارن لا يحصل له إلمامٌ بأهله، ومع ذلك عليه دم.

والثاني: أن إلمامه بأهله بعد العمرة قد حصل له برخصةٍ من الله تعالى، فإنه بعد عمرته قد أحلّ كاملًا، فلا معنى من منعه من أهله في بلده أو غيره، بل إن منعه من أهله معصيةٌ لله تعالى، يدلّ عليه: أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا رسول الله؛ فقال ( حلوا , وأصيبوا من النساء قال: فبلغه عنا أنا نقول: لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمس ليال أمرنا أن نحل إلى نسائنا فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المني. قال جابر: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قد علمتم إني أتقاكم لله , وأصدقكم وأبركم ولولا هديي لحللت كما تحلون , فحلوا ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت قال: فحللنا , وسمعنا وأطعنا ) متفق عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت