والسؤال الذي يحتاج إلى إجابة الآن هو: ألهذه الحروف معنى ؟! والجواب إنه ليس لها معنى إذا قصدنا بالمعنى المعجمي للكلمات، فالمعجم في الغالب ليس له عمل في هذه الحروف وما هو على شاكلتها من الأدوات التي ينحصر معناها في قيمها الوظيفية ودلالاتها التي تكتسبها في السياق، فالحروف لها معانٍ وظيفية تظهر في السياق، وتنفك عنها إذا خرجت من السياق إلا ما يبقى لهذه الحروف من دلالة عامة مبهمة كدلالة (إلى) على الاتجاه، و (على) على الاستعلاء، ولكن هذه الدلالات التي قد تلمح في هذه الحروف مجردة من سياقها لا يمكن أن تخطر على الذهن إلا مستصحبة سياقات مألوفة، أي أن هذه الحروف التصقت بدلالاتها الوظيفية بعد استخدامها متلازمة معها تلازمًا يُستصحب في الذهن بعد فك التلازم .
ويظهر هذا الاستصحاب عند إنشاء تلازم جديد من حرف الجر وسياق جديد لم يكن قبل مألوفًا، فيكون الاستخدام قد خرج إلى دائرة المجاز أو جاء الحرف نائبًا عن غيره في تقدير بعض النحويين، وهذا ما سوف يتناوله الفصل الثاني من الكتاب، وهو علاقات حروف الجر. أما الفصل الأول فهو للمعاني الوظيفية التي اكتسبتها الحروف في السياقات المختلفة .
الفصل الأول
دلالات حروف الجر
دلالات إلى
1-انتهاء الغاية في الزمان والمكان وغيرهما وهو أصل معانيها [6] . قال سيبويه:"وأما إلى فمنتهى لابتداء الغاية تقول: من كذا إلى كذا"وقال أيضا"ويقول الرجل إنما أنا إليك، أي إنما أنت غايتي ولا تكون حتى ههنا: فهذا أمر إلى وأصله وإن اتسعت وهي أعم في الكلام من حتى، تقول: قمت إليه، فجعلته منتهاك من مكانك، ولا تقول حتاه" [7] .