الصفحة 25 من 27

لم يُوَضِّح الفراهي سبب تسمية القسم الثاني بالخصوصي مع العلم أَنَّه بدأَ بدلالة الفصل، وقد يُظن أَنّه سيتحدث عنه كما يتحدث البلاغيون، ولكنه نحا منحى أقرب إلى الذوق وروح الأدب. يقول:"إِنْ سردت الكلام سردًا ذهبت غافلًا عن بعض المعاني، بل ربما بَدَّلت المعنى مثلًا إِنْ لم تقف على كلمة المرسلين في قوله تعالى:"وجاءَ من أَقْصَى المدينةِ رَجُلٌ يَسْعَى، قال: يا قومِ اتَّبِعوا المُرسَلينَ، اتَّبِعوا مَنْ لا يَسْأَلكم أَجْرا وهُمْ مُهْتَدون" (ياسين 20-21) غفلت عن قوة الدليل، وأكدت على الأمر كأنك قلت: اتَّبِعوا اتَّبِعوا، فهذا مع الغفلة يرد المعنى من الأمرين إلى أمر واحد" (جمهرة البلاغة ص62) .

لم يتحدث الفراهي في هذا المبحث عن الفصل ومواقعه، وإنما ذكر الآيتين الكريمتين اللتين وقع الفصل بينهما حينما أعاد - سبحانه وتعالى- الفصل (اتَّبِعوا) . والجديد في مبحث الفصل والوصل أَنَّ الفراهي ربطه بالخيال، يقول:"ثم الفصل يجعل الخيال جِسْرًَا بين معنيين، فإنْ وصلتهما لم يكن للخيال سبيل بينهما" (ص62) .

وعقد مبحثًا بعنوان"حظ السامع" (ص63) وهو رعاية جانب السامع، ومن هذا اللون: الاستفهام لينتبه السامع، والسكوت ليستريح، وبعض الحذف ليصير السامع متكلمًا في نفسه فيعمل عقله، ومنبهات الرغبة والنفرة، والالتفات لينتبه بما أحس من تجديد، والتمثيل ليشاهد محسوسًا، فينتبه من رقدته، وكل تبدل من الحركات، والالتفات وهيجان الضحك والحزن. فهذه مع فوائده الأُخَر أسباب لانتباه السامع. وتعرض لمباحث الحذف ومواقعه، وإدراج الدليل، والترتيب في النسق، والمقابلة، والاستثناء، وانتهاز الفرصة، والمجاز، والكناية، والتشبيه، ودلالة المجاز في الأزمنة، ولسان الغيب، والإشارة والتَّعريض. وهذه من فنون البلاغة التي وجدت سبيلها إلى التأليف، وإن جاء بعضها متأخرًا في مسيرة البلاغة العربية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت