ونشير هنا إلى مسألة مهمة وهي أن معرفة قواعد اللغة صرفا ونحوا ودلالة لا تؤدي بالضرورة إلى تحقيق المهارات المذكورة وهذا ما أشار إليه عالمنا الفذ ابن خلدون عند ذكره أن معرفة أصول السباحة والخياطة نظريا لا تجعل بالضرورة من حاملها سبّاحا ماهرا ولا خيّاطا بارعا. إذن تعلم النحو وحده لا يكسب فصاحة ولا يثري لغة . و إنما هو يقوم اللغة التي يكتسبها المرء مما تلقنه وسمعه من كلامها و ما قرأه ووعاه من نصوصها و ما زاوله وتمرس عليه من فصيحها وبليغها . ثم يأتي النحو بعد ذلك ليحيط هذا كله بسور عظيم يحفظه و بناء محكم يجمعه . وهذا ما بينه أيضا ابن خلدون حين أكد على أن السمع أحد الأسس لتعلم اللغات حين قال"السماع أبو الملكات اللسانية" إذ عن طريقه ينغرس الحس اللغوي السليم ليصبح ملكة طبيعية في الإنسان .إذن فالنحو يكمل تلك السلسلة التي تبتدئ بسماع الكلام الفصيح و تتتبع بقراءة نصوصه وحفظ روائعه . إنه التاج الذي يتوج به الطالب ما اكتسب من ملكات اللغة . وفي عصرنا الحاضر هناك مثل واضح لهذه الظاهرة، فمعظم المستشرقين وأساتذة العربية والإسلاميات في الدراسات العليا، يعرفون كل شاردة وواردة تقريبا في قواعد العربية المكتوبة ولكن بعضهم يبقى عاجزا عن التكلم والكتابة بها."
إذن فملكة اللغة تكتسب بالحفظ والسماع أكثر مما تكتسب بالضبط والقاعدة .
وهذا يعني أن المعول عليه في المقام الأول هو الحفظ والسماع و بعد ذلك يأتي دور كتاب القواعد . ولهذا السبب كان السلف يرسلون أبناءهم صغارا إلى البادية ليسمعوا اللغة الفصيحة و يحفظوها فتنشأ لديهم السليقة . إذن التزام الحديث بالفصحى مع الأطفال هو الوسيلة الفضلى لإتقانهم هذه اللغة إتقانا فطريا فتجري الفصحى على ألسنتهم صحيحة سليمة من غير أن يتعلموا حرفا واحدا من علم النحو .
الحل الذي يطرحه الدكتور عبد الله الدنان