السبت 21 جمادى الأولى 1424'
الفصل الأول
عرض الرجل موليته على الرجل الصالح في القرآن الكريم
عرض صالح مدين ابنته على موسى - عليه السلام -:
قال الله تعالى: {قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} . [القصص:27] .
هاهو موسى - عليه السلام - يخرج من مصر خائفًا يترقب، وينتهي به السفر الشاق الطويل إلَى ماء مدينَ، وهنالك يلقى ابنتي شيخٍ صالحٍ، قد بلغ من الكبر عتيًّا، فَرَقَّ لهما موسى، وسقى عنهما، ثُمَّ رجعتا سراعًا على غير العادة، وقَصَّا على أبيهما ما فعل موسى، فبعث إحداهما إليه لتدعوه، ثُمَّ عرض أبوهما عليه الزواج من إحداهما مقابل أن يرعى عنه ماشيته ثَمانية أعوام، فإن زادها إلَى عشرٍ فهو تفضلٌ من موسى وإحسانٌ.
وهكذا يعرض الشيخ الصالح فِي غير ما تَحَرُّجٍ ولا تلعثمٍ ولا التواءٍ ابنته على موسى المهاجر الغريب، فليس شرطًا أن يكون من بنِي وطنه أو جلدته، وإنَّما كافيه خُلقهُ ودينهُ، وحسبه قوته وأمانته، إنه يعرضُ بناءَ أسرة وإقامة بيت، وليس فِي هذا ما يدعو إلَى الخجل أو الحرج.
بيد أن المفسرين قد اختلفوا فِي هذا الشيخ الصالح الذي عرض ابنته على موسى - عليه السلام - ، من هو؟.
والمشهور: أنه شعيب.
والحق: أنه شيخ صالح من أهل مدين، ليس شعيبًا النَّبِي؛ لعدم تصريح القرآن بذلك، ثُمَّ إن شعيبًا لَم يكن معاصرًا لموسى، وإنَّما كان قبله بزمن غير قليل؛ لأن شعيبًا قال لقومه: {وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنْكُم بِبَعِيدٍ} [هود:89] . وكان هلاك قوم لوط فِي زمن الخليل - عليه السلام - بنص القرآن فِي غير ما آية، وبين الخليل وموسى مدة طويلة، تزيد على أربعمائة سنة.