فمعانيه متجددة حية، تتجدد بتجدد الزمان والمكان، ومع كونه معجزة بيانية خالدة هو- مع ذلك- معجزة تشريعية ربانية، لذلك انصرفت إليه جهود علماء اللغة والبيان لمعرفة أساليبه وبلاغة بيانه، فهو كتاب العربية الأول والبيان الخالد.
والمقصود بتحولات الأفعال في السياق القرآني هو التحول الحاصل من إعادة ذكر الفعل على نسق مخالف لما سبق ذكره في السياق نفسه، وهذه الظاهرة من أبرز الظواهر الأسلوبية في التعبير القرآني.
إذ نجد التعبير القرآني كثيرا ما يغاير في استعمال الأفعال كأن يرد السياق ابتداء بالفعل الماضي ثم يتحول عنه إلى المضارع أو الأمر في السياق نفسه، وكذلك العكس بأن يرد الفعل في السياق مضارعا ثم يتحول عنه إلى الماضي وهكذا.
من ذلك مثلا قوله تعالى" { وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ } [الأعراف، 170] ؛ إذ نجد التعبير القرآني قد عدل عن الفعل المضارع (يمسكون) إلى الماضي (أقاموا) ، وقد كان المتوقع لدى المتلقي اطراد السياق على سبيل المطابقة في الأفعال فيكون (يمسكون ... ويقيمون) "
أهمية الموضوع ودواعي دراسته:
... هذه التحولات في السياق القرآني، تفاجئ المتلقي وتثير دهشته؛ لخروجها عن المتوقع لديه من اطراد السياق على نمط واحد من المطابقة والمشاكلة، مما يدعو ذلك المتلقي البحث عن مثيراتها السياقية، وأبعادها الدلالية.
... لذلك حاول هذا البحث الوقوف على صور هذه التحولات وأثرها البلاغي في التعبير القرآني، فهذه ظاهرة نحوية بلاغية، تبرز وجهًا من وجوه الإعجاز البياني في القرآن، وتدلل على ما وهب المولى عزوجل هذه اللغة، لغة التنزيل من إمكانات عديدة، وقدرات فائقة في التصرف في التعبير، والتعدد في الدلالات.